شرح عقيدة التوحيد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

Alsaidia_11_Original

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

شرح عقيدة التوحيد.

303

فقال أيوب: إن الله - تعالى - يزرع الحكمة بالرحمة في قلب المؤمن الكبير

والصغير، فمتى ثبتت في القلب أظهرها الله تعالى

-

على اللسان، وليس تكون

الحكمة من قبل السن والشيب ولا من طول التجربة؛ فإذا جعل الله العبد حكيما في

-

الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله ـــ تعالى ـ عليه نور الكرامة. ثم إن أيوب أقبل على الثلاثة وقال: أتيتموني غضابا، رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا، كيف بكم لو قلت لكم تصدقوا عني بأموالكم لعل الله يخلصني، وقربوا عني قربانا لعل الله يتقبله ويرضى عني، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظنتم أنكم قد عوفيتم بإحسانكم؛ فهنيئا لكم بغيتم وتعززتم،1 ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله عليكم بالعافية التي ألبسكم إياها؛ وقد كنت فيما خلا الرجال توفّرني وأنا مسموع كلامي معروف حقي، منتصف من خصمي،

فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم فأنتم اليوم أشدُّ عليَّ من مصيبتي. ثم إنه أعرض عنهم وأقبل على ربه مستغيثا متضرعا إليه، فقال: ربِّ لأي شيء خلقتني؟ ليتني إذ كرهتني ما خلقتني يا ليتني كنت حيضة القتني أمي، أو ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني، لو كنت أمتني وألحقتني بآبائي، فالموت كان أجمل لي يا إلهي؛ ألم أكن للغريب دارا وللمساكين قرارا ولليتيم وليا وللأرملة قيما؟ إلهي عبد ذليل إن أحسنت فالمنة لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا/ [178] /،لقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل الضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي؟ إلهي تقطعت

1 في ط: «تعزرتم»، والذي أثبتناه من غيرها موافق لما في الطبري، 54/ 9. 2 في الأصل: «حمل»، والذي اثبتناه من نوط موافق لما في الطبري، 47/ 9.