الفوائد والأخبار محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أبو بكر

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء ١ · صفحة ٢

عجبتُ لبحرٍ يَحملُ البَحر فوقَهُ … على ظهرِ بَرِذَونٍ حَوَاليه فَيْلَقُ

أَلا إِنَّ بِرْذَونٍ الخليفةِ لا يَني … يَمُرُّ علينا بينَ بَحرين يُعنقُ

تَرى تَحْتَهُ بَحراً تُغَشِّيْهِ ظُلَمةٌ … ومِن فوقِهِ بَحْرٌ بهِ الأَرضُ تُشرقُ

أَبِرذَونُ أَنَّي لا نَراك مُغَرَّقاً … وَفَوقَكَ بَحْرٌ جودُ، يتدفَّقُ

غَشيتَ بهِ أَمواجَ دِجلةَ غُدوةٍ … فَكْادت بِهِ أَمُواجُ دجْلَةَ تغرقُ

حدثنا أبو بكر، ثنا أبو حاتم، عن الأصمعي، قال رأيتُ أعرابيا قد وضع يَدُه بباب الكعبة وهو يقول: يا ربّ سائلك ببابك مَضَتْ أَيامُه وبقيت آثامه، وانقطعت شهوتهُ وبقيت تَبعَتُه؛ فأرض عنه، واعف عنه، فإنما يُعفى عن المسيء ويُتَاب على المحسن، وأنت أفضل من دعوتُ، وأكرم من رَجُوْتُ.

حدثنا أبو بكر، أنبا أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: " قال " لنا يونس: كتب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن كعب القُرَظي " أَمَّا بعد: فإذا أتاك كتابي فعظني " . فكتب إليه إِنَّ ابن آدم مطبوع على أخلاق شتى كيس وحُمق، وجُرأُة وجُبن، وحلم وجهل؛ فداو بعض ما فيك ببعض، وإذا صحبت فاصحب من كان ذا نِيَّةٌ في الخير يُعنك على نفسك، ويكفيك مؤونة الناس، ولا تصحب من الأصحاب من خطرُهُ عندك على قد حاجته إليك، فإذا انقطعت انقطعتْ أسباب مَوَدَّتك من قلبه، وإذا غرست غرسا، من المعروف، فلا تُضق ذرعك أن تَرَبَّة.

أنشدنا أبو بكر " قال " أنشدنا الرِّياشيُّ " من الكامل " :

لَيس الكريمُ بمن يُدنِّس عرضَهُ … ويَرى مروءتُهُ تكرُّمَ مَن مضى

حتى يشيد بناءَهم ببنائِه … ويَزين صالحَ ما أَتَوْهُ بما أَتَى

أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا الأُشنانداني " من الكامل " :

لا تقبلَنَّ نميمةً أُنبِئْتَهَا … وتُحرَّزَنَّ مِنَ الذي أَنباكَهَا

لا تُرسلُنَّ مقالةً مشهورةً … لا تَستطيع إِذا مَضْت إِدراكها

إِنَّ القُرُوضَ وإِنْ تَقَادَم عَهدها … عِنْد الكريم، إِذا يَكُونُ، قَضْاكها

وإِذا اللَئيمُ حَبَوْتَهُ بِمَوَدَّةٍ … قَبَضَ المَوَّدَّة كَونَهُ يَكماكها

حدثنا أبو بكر، ثنا عبد الرحمن، أخبرني عمي، قال: كَتَبَ أعرابيٌّ إلى خالد بن عبد الله القسري " من الكامل " :

نَفْسِي تُحَلِلُ أَنَّ تَبُثَّكَ ما بِهَا … لا يَزْرِيَنَّ بها لَدَيكَ حَبَائُها

إِنِّي أَتِيْتُكَ حين ضَنَّ مَعَارِفِي … ولَرُبَّ مَعْرِفَةٍ يَقتل غِناؤُها

فافعَل بها المعروفَ إِنَّك ماجدٌ … فَليأْتِينُّكَ شُكُرُها وثِناؤُها

فأمر له عشرة آلاف " درهم " .

قال أبو بكر: وأنشدنا عبد الرحمن: " من الوافر " :

ولا تَقطَع أَخاً لكَ عندَ ذنبٍ … فإِنّ الذنبَ يغفرُهُ الكريمُ

ولا تَجْعَلْ على أَحَدٍ بظُلمٍ … فَإِنّ الظُّلَم مرتَعُهُ وخيمُ

ولا تَعنفْ عليهِ وكن رفيقاً … فعند الرفق يلتئم الكرامُ

حدثنا أبو بكر، ثنا عبد الرحمن، عن عمه، عن يونس، قال: دخَل أعراب على خالد بن عبد الله، فأنشدوه وفيهم رجل ساكت لا ينطق، ثم قال لخالد: ما يمنعني من إنشادك إِلاّ قلَّةُ ما قلتُ فيك من الشعر، فأمره أن يكتب في رقعة، فكتب: " من الطويل " :

تَعرّضْتَ لي بالجودِ حتى نَعَشْتَني … وأَعطَيتني حتى حسبتُكَ تلعبُ

فأَنت الندى وابنُ الندى وأَخو الندى … حليفُ الندى ما للندى عنكَ مذهبُ

فأمر له بخمسين ألف درهم.

وقال آخر، فقال: أصلحك اللهُ! قد قلت فيك بيتين، ولست أنشدها حتى تعطيني قيمتهما. قال: وكم قيمتهما؟ قال: عشرون ألفا. فأمر له بها، ثم أنشده: " من الكامل " :

قد كانَ آدمُ قبلَ حين وفاتِهِ … أَوصَاكَ وهو يجودُ بالحَوْبَاءِ

بِبَنيهِ أَنْ ترعاهمُ فرعَيْتَهُمْ … فَكَفَيْتَ آدمَ عَيْلَةَ الأَبناءِ

فأمر له بعشرين ألف أخرى، وجَلَدَهُ خمسين جلدة، وأمر أن يُنادي عليه: هذا جزاء من لا يحسنُ قيمة الشِّعرِ.

٢ / ٦