الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٥الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
485
النصوص القرآنية تفيد التحريم مطلقاً، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (الحجرات: 12)؛ إذ شبه النص القرآني الغيبة كأنها أكل معنوي، ثم بيَّنه أنه غير معقول شرعاً ولا عقلاً، ومعاني الاتفاق من شواهد العقول، وأحكام الكتاب وسُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع جميع أهل العقول يتواطأ معي على هذا، وهو أن أكل لحوم البشر من الأحياء والأموات محجورة، محرمة في جميع السعات والضرورات وغير مقبولة على أي حالة
كانت، ولا أعلم في ذلك سعة ولا مساغاً من قول أحد من أهل البصر). وتابع السالمي رأي الكدمي وأكده وأشار إلى إجماع الإباضية عليه فقال: «لا يحل ذلك، فلخم ابن آدم، حرام لا يحل بوجه من الوجوه، لا في مخمصة، ولا في غيرها، والحربي والباغي وغيرهما في ذلك سواء، من غير خلاف في ذلك» (2).
ولا تباح بحال من الأحوال، فهو مستثنى من هذه القاعدة، ولكن يذكر هنا لبيان خروجه عنها حتى لا يلتبس بالأنواع الأخرى، ولأن بعض فروعه ومسائله وقع فيها الخلاف بين الفقهاء. وأما ما يدخل تحتها فهو النوع الأول مع ثبوت إباحته، والنوع الثاني مع ثبوت حرمته، والترخيص إنما هو في رفع الإثم، كنظر الطبيب إلى ما لا يجوز انكشافه شرعاً، من مريض أو جريح في رفع الإثم لا الحرمة، والثالث مع بقاء حرمته أيضاً، إذا لم تنزل بإذن صاحب المال في التصرف، كالاضطرار لأكل مال الغير عند المخمصة، فإنه لا يسقط حرمته المال الغير، بل يسقط الإثم، ويجب عليه ضمانه، أو الاستحلال
(1) الكدمي: المعتبر، 110/ 3 - 111. (2) السالمي: العقد الثمين، 259/ 2.
من
صاحبه (3).
(3) البورنو: الوجيز، ص 237، نقلاً عن شرح الأتاسي للمجلة العدلية، 1/ 55. ـ وشرح سنبلي زاده المسمى توفيق الإله، 118، بتصرف.