الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٩الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
489
وبعد أن عرض المحقق بكلي أدلة الفريقين وعلّق عليها، رجح رأي الجمهور فقال: «على أنّ القول بالمسح يتمشى وروح التشريع الإسلامي المبني على التيسير يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). وفي الاجتزاء بمسحها تيسير وأي تيسير، وأكثر لابسي الخفين من المسافرين، أو من أهل البادية، ومن أولى بالتيسير من هؤلاء» (1).
الرأي المختار:
وبعد التأمل في أدلة الفريقين يظهر أن الرأي القائل بالجواز بالمسح على الخفين للمضطر في السفر والحضر هو الرأي الراجح عندنا لقوة أدلته وصحتها، ومدى مراعاته لظروف الناس وأحوالهم في رفع الحرج ودفع المشقة عنهم، خاصة في الأحوال غير العادية كالبرد الشديد، والثلوج ونحوها، كالجنود في الخدمة العسكرية والرعاة والمسافرين فالعمل بهذا الرأي فيه تيسير عليهم، لأن المشقة تجلب التيسير، ولكن بشرط أن يكون على طهارة، كما قرر الفقهاء، ولعل من أفتى بمنع المسح على الخفين قد نظر إلى العموم الغالب في بيئته، كاعتدال الطقس، أو شدة الحر، كما هو سائد في شبه الجزيرة العربية، أما القائلون بالجواز في حالتي الاختيار والاضطرار كالبكري الإباضي وغيره، فقد انطلق من بيئته الباردة عموماً ـ وهذا شأن المفتي ـ يستند في فتواه على الأدلة الثابتة، والصحيحة، فإذا تعارضت رجح أحد القولين استناداً إلى العرف ما دام لا يخالف النص (2)، ولو خالف إجماع مذهبه.
والجدير بالذكر في هذا الصدد أن الإباضية القائلين بالجواز، لم يحددوا مدة معينة للمسح على الخفين في السفر أو الحضر، فهو مباح حتى تزول حالة الاضطرار، نقل ذلك الشقصي عنهم بعد أن أشار إلى خلاف الفقهاء في
(1) بكلي: المرجع نفسه.
(2) الخليلي أحمد الفتاوى الكتاب الأول، نشر مكتب الأجيال، سلطنة عُمان، ص 26 – 27.