الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٠٥الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
505
- في حكم تنظيم النسل وتحديده عند الضرورة: إن تحديد النسل تأباه حكمة الشارع الذي خلق في الإنسان والحيوان مادة التوالد والتناسل، وتأباه طبيعة الكون المستمر في النمو، ويعاند الفطرة البشرية التي فطرها الله على أكمل نظام؛ ذلك أن التحديد لا يتأتى إلا بإيقاف سيرها الطبيعي تارة بالقضاء على الحيوانات المنوية بعد تلقيحها، بينما تجب المحافظة عليها حتى تنتقل في أطوارها فتخرج جنيناً كاملاً، ولكن إرادة الإنسان في تحديد نسله وخوفه من الفقر والمستقبل جعله يلجأ إلى هذه الوسيلة المحرمة، والله سبحانه الرازق قد تكفل بأرزاق، مخلوقاته، ووفّر لنا ما نسد به حاجيات كثرة المواليد، بدون أن نلجأ إلى تعطيل سير نظام بديع وضعه مبدع الكون، لحفظ النوع الإنساني وعمارة الأرض، وقد وردت في القرآن والسنة نصوصاً كثيرة تمنع قتل الأولاد من الفقر، وتشجع تكاثر النسل، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِطا كبيرًا﴾ (الإسراء: 31)،
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تناكحوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة). ولكن هل تحريم تحديد النسل وتنظيمه يسري عل جميع الناس؟ وهل يراعي الشارع الحكيم الحالات الخاصة، ويرخص في الأحوال الاضطرارية؟ فهناك حالات تعرض للناس تجعل حياتهم وحياة نسلهم في خطر كبير، كتعسر ولادة، أو كانت قد أجريت للمرأة العملية القيصرية من الجانبين، فقرر الأطباء أن الحمل الجديد قد يلحق بحياتها الخطر، أو اكتشفوا وجود مرض خبيث معد قد ينتقل من أحد الزوجين أو بهما معا، فيستعصي علاجه، فلا ينتجون إلا مريضاً يحمل جراثيم ذلك المرض إلى من بعده، أو كانت المرأة تعاني من ضيق الرحم فتجهض كلما حملت، أو ما شاكل ذلك (2).
(1) رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب من تزوج الودود، رقم 2050، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح، رقم 2685، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة» ووافقه الذهبي.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 316/ 1 - 317.