القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠٩

المطلب الثاني

قاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها»،

أو «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها»

أولاً: تعريف القاعدة

بعد أن عرفنا معنى قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وأن ذلك من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، وبأمة محمد ال خاصة؛ لئلا يوقعهم في الحرج والعنت فيشق عليهم الدين أباح لهم المحظور حال، الضرورة، وحينئذ يتوجه سؤال يقول: هل الإباحة في هذه الحالة مطلقة لا حدّ لها؟ أم لها حد معين تنتهي إليه؟ والظاهر أن الجواب عن هذا السؤال هو أن الشارع الحكيم رخص في استباحة المحرم حال الضرورة بالقدر الذي تندفع به تلك الضرورة، فإذا

اندفعت الضرورة رجع الحكم إلى الأصل في تحريم ذلك المحظور. وكذلك فإنه لما أبيح المحظور للضرورة، فالصحيح أن المضطر لا يتوسع في فعل المحظور، حتى يزيد عن حد الرافع للضرورة، بل الواجب أن يفعل ما يزيل ضرورته فقط.

فمثلاً:

وهذا المعنى يتضح بمعرفة بعض صور المحظورات التي تباح للضرورة، في إباحة الأكل من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل لغير الله به لمن اضطر إلى ذلك، فقد قال كثير من العلماء بأنه لا يجوز للمضطر أن يأكل إلا ما يقيم به صلبه، ويسد به رمقه، ويحفظ مهجته، وما زاد على ذلك يكون تعدياً؛ لأنه غير مضطر إليه، فلا يباح له، وفي هذا المعنى يقول السالمي أن الضرورة إنما هي لسد الرمق، فلا يتناول

في

خبير

«العقد الثمين»: «وأنت المضطر شبعته من الميتة، بل ما يمسك رمقه فقط، وأن ما فوق ذلك حرام» (1).

(1) السالمي: العقد الثمين، 259/ 1.