الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٢512
القواعد الفقهية عند الإباضية
أكلها حياة نفسه، فليس له أن يحيي نفسه بها من الموت، وظاهر الآية يدل على قولهم وعلى غيره أيضاً» (1).
ونقل السالمي اختلاف الإباضية في هذه المسألة تعقيباً على سؤال ورد إليه مفاده: «أرأيت من خرج باغياً عن المسلمين، أو مانعاً لحكم، أو متعدياً في غشم، ثم اضطر في ذلك الخروج إلى أكل الميتة والدم أو لحم الخنزير، هل له أن نفسه من ذلك أم لا؟»
يحيي
فأجاب: «قد اختلف في ذلك، وظاهر مذهب أكثر أصحابنا أنه ليس له ذلك، بل عليه معهم أن يتوب من بغيه وتعديه، ثم يحيي نفسه بعد ذلك، وظاهر مذهبهم: أنه إن لم يتب وأكل منها كان عاصياً بأكله، وإن لم يأكل حتى مات جوعاً صار راكباً لمعصيتين بغيه على المسلمين، وإهلاكه لنفسه، أما البغي فظاهر، وأما إهلاكه لنفسه؛ فلأنه ترك إحياءها مع إمكان أن يحييها بالحلال، فإنه إذا تاب أحل له ذلك.
ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ﴾ (البقرة: 173)، وقيل: عليه أن يحيي نفسه من الميتة وما بعدها؛ لأن الله قد أباح له ذلك عند الاضطرار وهو مذهب ابن بركة، وفسروا غير باغ ولا عاد بغير ما فسره الأولون فقالوا: إن معنى غير باغ ولا عاد أي غير متجاوز حد الضرورة في ذلك ولا متعد إلى غير ما أحل الله له» (2).
ولم يقنع ابن بركة بتفسير جمهور الإباضية وخالفهم في الرأي ووافق جمهور الفقهاء فقال: «وظاهر الآية يدل على قولهم وعلى غيره أيضاً، وفي نفسي من هذا التأويل شيء والله أسأله التوفيق والهداية لما يحب ويرضى، وعندي ـ والله أعلم ـ أن معنى قوله: ﴿غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ﴾ (البقرة: 173)، غير باغ
(1) ابن بركة الجامع، 1/ 434. (2) السالمي: العقد الثمين، 256/ 1.