الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٤514
الرأي المختار:
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا
بعد التأمل في التفسيرين للآية الكريمة يبدو أن رأي ابن بركة والجمهور أقرب للصواب؛ لأنه أخذ بحكم الضرورة مطلقاً، ولم يقيدها بحالة العدوان، أو البغي، أو حالة العصيان، فلو تعرض شخصاً إلى مخمصة فيباح له أكل الميتة وما بعدها، ولا ينظر ما إذا كان خروجه لمعصية أو إلى عدوان، فيجب عليه أن ينقذ نفسه من الهلاك، فإن ترك نفسه حتى الموت فهو آثم، فهؤلاء قصروا الرخصة على الضرورة، واشترطوا ألا يتجاوز فيها قدر الحاجة، وفي دفع للمشقة ورفع للحرج؛ لأن هذا الجائع أصبح مشغولاً بالجوع الشديد، فلا يفكر في العدوان ما دام منهوك القوى، أما جمهور الإباضية فقد قيدوا إباحة المحظورات، فأباحوها للمطيع، وحرموها على العاصي والباغي والمتعدي، ولم ينظروا إلى حالته الاضطرارية، ووجوب إنقاذ نفسه من الهلاك، واشترطوا عليه إن كان كذلك يقدم التوبة أولاً، ثم يأكل منها، وفي هذا مشقة وحرج، ولعلهم يريدون بذلك تشجيعه على التوبة والإنابة، ومنعه من العدوان والبغي واعتبروا هذه الرخصة منحة من الله للطائعين وليس للعصاة المتمردين، فلا تمنح لهم إلا بعد التوبة والاستغفار ولعلهم أخذوا بقاعدة أخرى تفيد هذا المعنى وهي: «الرخص لا تناط بالمعاصي» وهي من
القواعد الفرعية المختلف فيها.
2
- من السنة النبوية
أدلة هذه القاعدة ومن
من
السنة ما جاء في حديث قبيصة بن مخارق الهلالي عنه قال: تحملت حمالة (1) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها قال: ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة
(1) الحمالة بالفتح: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، ينظر: ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 442/ 1.