الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٧الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
517
ذكروها للضرورة يصعب تحديدها بدقة متناهية، نظراً لتغير مدلول كل من الضرورة والحاجة، وتطور مفهومها، فما قد يكون حاجة بالأمس قد يصبح ضرورة في اليوم والغد كاستعمال وسائل النقل والاتصال، وما لم يكن حاجة في الماضي قد يصبح حاجة ملحة في الوقت الحاضر والمستقبل. ولهذا يجب الرجوع إلى العلماء المختصين وسؤالهم عن حكم الله فيما يطرأ للمؤمن من حاجات يُراعي فيها الفقيه ظروف الواقعة وحالة الشخص السائل دون إفراط ولا تفريط، لا سيما عند تقدير وجود الضرورة والحاجة المقتضية إباحة المحظورات؛ لأن الإباحة ضرورة، و «الضرورة تقدر بقدرها» ويمكن أن يستأنس في ذلك بما وضعه العلماء من مراتب تحقيق الرغبة في الأشياء، والاطلاع على ضابط كل مرتبة، وهي خمسة مراتب ضرورة وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول). فالضرورة أن يبلغ الإنسان حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب الهلاك، وهذه الحال تبيح الحرام أو الممنوع شرعاً، كالمضطر للأكل أو اللبس، بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات أو تلف منه عضو.
والحاجة أن يكون الإنسان في حالة من الجهد والمشقة التي تؤدي به إلى الهلاك إذا لم يتناول المحرم شرعاً، وهذه الحال لا تبيح المحرم وإنما تبيح الفطر للصائم، كالجائع الذي إذا لم يجد ما يأكله لم يهلك وإنما يصير في ضيق ومشقة وهذه مرتبة دون الضرورة.
والمنفعة: أن يشتهي الإنسان طعاماً أساسياً، كالذي يشتهي لحم الغنم
والطعام الدسم مثلاً، فلا يجد ذلك.
والزينة: أن يشتهي المرء شيئاً من الكماليات في عرفنا، كمن يشتهي أكل الحلوى والفاكهة، أو من يرغب في لبس الثياب الفاخرة، كلبس الحرير والذهب للرجل.
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص 139.