القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥١٩

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

519

له حدود الشبع، وإن اضطر بالعطش وخاف من شرب الماء على الريق، فله أن يخلطه بشيء يسكن به ضرره من دقيق أو عسل، أو يأكل ثمرة أو حبة أو ما أشبه ذلك، ثم يشرب إذا خاف على نفسه، ويقضي ما أكل). وتابع الثميني والقطب أطفيش رأي الجناوني وصرحا به في «شرح النيل (2) دون اعتراض، مما يدل على أنه هو ما يجب العمل به في مثل ذلك الأحوال، تجسيداً للقاعدة: «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها».

من

وقد حمل الجناوني كل من تجاوز حدود الضرورة تبعة ذلك، فلو أكل المضطر حتى شبع، أو شرب حتى ارتوى، فإن عليه كفارة مغلظة وقضاء ما فات من صومه؛ لأنه في حكم المتعمد بعد زوال الضرورة، يقول في هذا المعنى: «فإن اضطر إلى الشراب فشرب، ثم أكل بعلمه بوجوب القضاء عليه، فعليه مغلظة وانهدم صومه، وكذلك إن اضطر إلى الطعام فأكل ثم شرب، وكذلك إن أكل بضرورة ثم أكل بعد ما أمن على نفسه مرة ثانية، وكذلك إن شرب بضرورة ثم أكل بعدما أمن على نفسه مرة ثانية، وكذلك إن شرب بعد ذلك مرة ثانية ولم يخف على نفسه، وكذلك المريض إذا أكل في أول النهار،

ثم أفاق فأكل في آخره من غير ضرورة، فعليه مغلظة وانهدم صومه (3). وعند التأمل في الأحكام التي قررها الجناوني وغيره تظهر لي بعض

الأمور:

أ ـ أن الإباضية جعلوا حد الضرورة دون الشبع، أي أن من شرب أو أكل مضطراً فليشرب أو ليأكل مقدار ما ينجي به نفسه من الهلاك.

ولكن هذا ليس له حد مضبوط قبل الارتواء أو الشبع، ولذلك تساهل بعض الفقهاء فجعلوا الحد هو الارتواء أو الشبع، والحق أن الموضوع متروك

(1) الجناوني أبو زكريا يحيى بن أبي الخير: كتاب الصوم، ص 16 - 17. (2) أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل للثميني، 363/ 3 - 364.

(3) الجناوني: كتاب الصوم، ص 17.