الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٣الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
523
والحق أن ما ذهب إليه الشيخ بكلي هو ما ترتاح إليه النفس ويترجح عندنا، لما فيه من اليسر ورفع الحرج والمشقة عن الحائض، ولقوة أدلته ومسايرته لضرورات العصر.
- في امتناع الغريم عن دفع ديونه:
إذا حلّ أجل الدين ينبغي للمدين أن يسدده ويستلمه منه الدائن بالرضى، ولكن إذا امتنع عن ذلك وصار يماطله، أو يتهرب منه أو يجحده، فقد أجاز بعض الإباضية للدائن أن يقضي دينه من المدين (الغريم) بالإكراه والجبر، واشترطوا أن يستوفي منه مقدار حقه، ولا يجوز له أن يزيد على غريمه حتى لا يضره، واختلفوا في الشيء الذي يجوز له أن يأخذه منه، هل يأخذ عين الدين أم مثله أم قيمته أم يتصرف في مال المدين بالبيع ويأخذ منه حقه؟ تعرض ابن بركة والشماخي إلى هذه المسألة وفصلا فيها القول، وذكرا
أدلة المجيزين والمانعين لذلك وناقشوهم. يقول ابن بركة في هذا الشأن: اختلف علماؤنا في رجل مات وعليه دين لرجل، ولم يوص إلى أحد من الناس، ولم يكن لصاحب الدين بينة على الميت، فقال بعضهم: إن قدر على شيء من مال الهالك من العروض والحيوان أخذه سرّاً وباعه واستقضى منه وقبض حقه، ويقيم نفسه في ذلك مكان الحاكم، وقال آخرون ليس له ذلك ويكون متعدياً في الظاهر والباطن؛ لأنه يفعل بغير أمر الله؛ لأنه ليس بوكيل فيما يبيع ولا وصي).
ورغم هذا الاختلاف فقد اتفق الفريقان على أنه إذا وجد الغريم عين ماله عند الهالك فله أن يأخذه سرّاً لا جهراً، وقد حكى ابن بركة إجماعهم على هذا الرأي فقال: «فأجمعوا على أنه إذا وجد في مال الهالك مثل عين ماله من الجنس الذي له من الذهب والفضة أو ما يضبط بالكيل والوزن ويتساوى
(1)
ابن بركة: الجامع، 210/ 1.