القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٦٣

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

563

مع غيرها بشرط التزام آداب الاستئذان، وقال بعضهم: لا بأس إذا كانت المرأة تقية مستترة. قال أبو سعيد الكدمي: نهي الرجل عن الخلوة بالمرأة غير ذات محرم منه ثقة كان أو غير ثقة. وقال في شأن الأعمى: «إنه لا يجوز له مساكنة أحد من الأجنبيات إلا ذوات محارمه، وإن الأعمى وغير الأعمى في هذا سواء، إلا أنّ فرْضَ البصر زال عن الأعمى وهو أقرب إلى السلامة عند الضرورات في مثل هذا ما لم يخالف الحق في مساكنة، أو دخول بغير إذن، فإذا دخل بإذن برئ قلبه من الشهوة، جاز له معي الخلوة مع الحُرُم ما لا يجوز للذي يبصر؛ لأنه مثل من يكون وراء الحجاب وهو لا يبصر، وقد جاء الأثر بكراهية الخلوة مع غير ذوات المحارم إلا من وراء حجاب، أو من وراء باب لزوال النظر، فهذا فرق بزوال النظر، فهذا فرق بين الأعمى والبصير في هذا (1). ولخطورة مخالطة الأعمى بالنساء لغير محارمه دون ضوابط، اشترط الشارع عليهن الاحتجاب عنه؛ خوفاً من الفتنة وأمرهن بغض البصر وعدم الخلوة به دون محرم، يقول الشيخ بيوض في بيان ذلك: «وإذا كان هذا هو حكم غضٌ بصر المبصر، فما هو حكم الأعمى؟ هل يجوز للمرأة أن تنكشف له؟ لقد وقع مثل هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن لنا الحكم فيه بقوله وفعله. كان النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجتيه أم سلمة وميمونة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فاستأذن عبد الله بن أم مكتوم (مؤذن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم) فقال رسول الله لزوجتيه: «احتجبا»، فقالتا إنَّهُ أعمى لا يبصرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعمياوان أنتما»؟ وَعَلَيْهِ فلا يجوز لأعمى أن يدخل وسط النساء بدعوى أنه لا يبصر، وَهَذَا ما لا يقبله عقل، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول العميان على النساء، وَهَذَا يعطينا ضوءًا لنفهم حقيقة غض البصر الذي أمرت به النساء والأعمى إذا دخل وجلس وسط النساء فَإِنَّهُنَّ يملأن عيونهنَّ منه، ووجوده وسطهنَّ ليس كوجود أي رجل

تراه المرأة وهي عابرة سبيل.

(1) السالمي: معارج الآمال، 220/ 2.