القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٧٦

576

القواعد الفقهية عند الإباضية

المضطر إذا وجد الميتة ومالاً للغير، هل يلزمه أن يحيي نفسه من الميتة، أم يجوز له أن يأكل من مال غيره؟

فأجاب زياد بن الوضاح أنه لا يجوز له أن يأكل من مال غيره مع وجود الميتة؛ لأن الله قد أباح له الميتة عند الاضطرار وحرم عليه مال الغير إلا عن رضى، ولم له أكله عند الضرورة، كما أباح ذلك في الميتة والدم ولحم الخنزير، فبقيت حرمة مال الغير على إطلاقها، وقد أبيحت الميتة للمضطر، فلا يتجاوز ما أبيح له إلى ما حرم عليه، فإن أكل من مال الغير مع ذلك كان آثماً ضامناً).

يبح

الرأي المختار:

وعند التأمل في الرأيين أجد نفسي مضطراً إلى ترجيح رأي جمهور العلماء لوجاهته ومراعاته لمقصد الشارع في التيسير على الناس عند المشقة والضرورة، أن الله قد أباح للمضطر أن يأكل من الميتة وما أشبهها، ولكن لا يضمن نفسه وتنقذه من الهلاك، خاصة إذا كانت متعفنة قد عششت فيها

فرغم

أن

يحيي

الجراثيم المضرة بالصحة، وكذلك لحم الخنزير ولو كان طازجاً، فلا نأمن السلامة من أكله فهنا قد أزلنا ضرر الجوع بضرر أشد، وهي مظنة الإصابة بالأمراض الخطيرة الناجمة عن هذه المحرمات، أما مال الغير رغم حرمته ولكن نأمن معه السلامة من تناوله، هذا إذا كان صاحب المال أو الطعام فقيراً فقد تسبب بأخذ ماله ضرراً أشد، ولذلك وجب عليه الضمان أو التعويض، ولكن يتغير الحكم إذا كان صاحب المال غنيّاً فإن العلماء جوزوا للمضطر أن يأخذ منه ما يسدّ به جوعه وينقذ نفسه من الهلاك، وقد أخذ حقه المشروع من مال الغني؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: 24 - 25)، وبذلك لا يصبح هذا المضطر متعدياً على مال غيره، بل أخذه

بوجه حق، فلا إثم عليه ولا ضمان.

(1) السالمي: العقد الثمين، 207/ 1.