القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٧٧

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

577

ولعل ما نقله السالمي في «عقده» عن بعض الفقهاء يؤيد ما ذهبنا إليه ورجحناه، إذ يقول: «وقيل: بل يجوز له أن يأكل من مال الغير؛ لأن إباحة الميتة ونحوها هي عند عدم وجود الحلال الذي جعله الله نفعاً لعباده، وصاحب المال أولى بماله ما لم يضطر غيره إليه، وقد جعل الله الله في أموال المؤمنين حقاً للسائل والمحروم، فالمضطر إلى مال الغير إنما أخذ حقه منه، وأيضاً فالميتة إنما هي حرام لعينه ومال الغير حرام لغيره، والمحرم لغيره أخف حرمة من المحرم لعينه (1).

ويوضح السالمي أن الذين أباحوا للمضطر أكل مال الغير قد اختلفوا فيما يترتب عليه، فمنهم من أجاز له ذلك وألزمه الضمان لصاحبه؛ لأن صاحب المال أولى بماله والضرورة إنما رفعت الإثم دون الضمان، ومنهم من لم يوجب عليه ذلك، ورأى أن المضطر قد أخذ حقه من ذلك ولا ضمان على من أخذ حقه، وأيضاً فإن صاحب المال لو رأى هذا المضطر وجب عليه أن يطعمه من ماله فعلمنا أن للمضطر في ذلك المال حقاً (2). فإن تركه على تلك الحالة حتى هلك، وكان قادراً على بذل ما عنده من مال لإنقاذه، فإنه آثم وتلزمه التوبة والكفارة، وقد أشار أبو سعيد الكدمي إلى هذا الحكم في معرض حديثه عن المحتكر إذا تسبب في ارتفاع الأسعار، ولم يجد من يخاف على نفسه الهلاك شراء أو كراء ما يدفع عن نفسه الضرورة، فيقول: «وله أن يختار أن يكون بيعه له بعدل السعر، أو كرائه بأجرة من نفس المخوّف، أو مركوب أو عبيد، وأما ما يقدر عليه من بذل المجهود في إحياء النفس المخوّف عليها الهلاك المحرم قتلها من جميع البشر من أهل الولاية أو من أهل الإقرار أو من أهل العهد والذمة من أهل الشرك، أو جميع من ثبت له أمان من أهل الشرك، فكل هؤلاء سواء لا يجوز قتل شيء

(1) السالمي: العقد الثمين، 257/ 1.

(2) السالمي المرجع نفسه.