الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧٨578
القواعد الفقهية عند الإباضية
من هذه النفوس المحرمة عند هذه الحال اللازمة … ما لم يكن في حال الحرب … فإذا كان على غير هذه الصفة، واضطر إلى ما يحيى به نفسه من شيء من المهالك اللازمة التي بها إهلاك، وقدر قادر على أن يجيئه من ذلك الهلاك، من غرق أو جوع أو حرق، أو انقطاع في مفازة فيها الهلاك، ولزم ذلك لازم خصه حكم ذلك، من قليل من الناس أو كثير، بعلم منهم بذلك، وقدر ذلك المخصوص بحكم ذلك عليه على إحياء تلك النفس، فلم يحيها حتى هلكت، ولزمه معنى من معاني أحكام الكتاب والسنة، والاتفاق حكم قتلها، وأنه هو الذي قتلها، ولزمه في معاني حكم الإثم من قتلها، ولا يبرئه ذلك فيما لا أعلم فيه اختلافاً، أن عليه إثم من قتلها، ولا يبرئه ذلك عند ثبوت الحكم عليه أن يلزمه ديتها والكفارة عن قتلها، في جميع ما يلزم في الحكم من أسباب قتلها» (1).
فهذا الحكم يلزم إذا كان القادر على الإغاثة والإنقاذ، لا يقصد الإضرار بهؤلاء الناس الطالبين للنجاة، أما إن قصد ترك تلك النفس حتى الموت، فيرى أبو سعيد الكدمي أنه لم يبعد عنده من ثبوت القَود فيها (الدية) إن كان مما يجب فيلزمه القود بها، ولزمه في ذلك معاني حكم ما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة: 32) (2).
فانظر إلى سماحة الإسلام الذي لا يفرّق بين الناس في حالات الاضطرار ولو كانوا من غير ملّتنا؛ لأن النفس البشرية مكرمة في الإسلام ولو كانت كافرة، ولذلك أمره بصيانتها والمحافظة عليها عموماً، خاصة في
(1) الكدمي: المعتبر، 3/ 105 - 106.
(2) الكدمي: المعتبر، 106/ 3.
حالات