الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٨٧الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
587
}
مخوفة، ولا يُعرّضها لخطة متلفة، وقد يسر الله على عباده تخفيفاً، وكان بهم ولله الحمد لطيفاً، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس قال: «خرج عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش فأجنب، فخاف من شدة الماء فتيمم، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أصحابه بما فعل فقال: «يا عمرو لِمَ فعلت ذلك ومن أين علمته؟ فقال له: يا رسول الله وجدت الله يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا له (النساء: 29)، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليه شيئاً). وكذلك إن كان معه من الماء ما لا يستغني عنه لطعامه وشرابه، فإنه يتيمم، ويستعمل الماء لطعامه وشرابه، وينجي نفسه من الهلاك لهذا الحديث (2). ولكن هل شرع التيمم بدل الوضوء أم الغسل؟ فهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء.
يقول الشماخي في هذا الصدد: اتفق العلماء أن التيمم بدل من الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، والقول الذي نأخذ به ونعتمد عليه، وهو قول أصحابنا الإباضية) أن هذه الطهارة بدل من الطهارتين تكون بدلاً من الصغرى وتكون بدلاً من الكبرى، والدليل قوله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (المائدة: (6)، وذكر في ابتداء الآية أنواع الطهارة بالماء، فلما قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (المائدة: (6)، أراد أن تقوم طهارة التيمم مقام الطهارة بالماء، فوجب بقوله أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} (المائدة: 6)، كناية عن الجماع ليقوم ذلك مقام قوله: ﴿وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَهَرُوا﴾ (المائدة: 6)، ويؤيد
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، رقم 334، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، رقم 628، عن عمرو بن العاص. وقال الحاكم: حديث صحيح، ووافقه الذهبي. المباركفوري: المنذري حسن عون المعبود، 365/ 1.
(2) الشماخي: الإيضاح، 276/ 1 - 277.