القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٢٣

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

623

وقد أكد ابن بركة ما ذهب إليه الشماخي والقطب أطفيش في ترجيح الصلاة قعوداً عن القيام، ولكنه في الوقت نفسه يرشد إلى إمكانية الأخذ بالقول الآخر والعمل به في حالة تساوي الفعلين في الفرضية، ولا دليل على أحدهما عن الآخر، ففي هذه الحالة يجوز للمكلف أن يختار بين الأمرين، وفي هذا المعنى يقول: ويحتمل عندي أيضاً من جهة النظر أن يجوز له أن يصلي قائماً ويركع ويسجد بغير سترة، فإن قال قائل: لم أجزت صلاته قائماً بغير سترة؟

ترجيح

قيل له: إن الركوع والسجود فرض أيضاً، فإن كان الستر فرضاً من فروض الصلاة، فلما لم يمكنه فعل الستر وأمكنه بعض فروض الصلاة كان عليه فعل ما أمكنه وعذر بترك ما عجز عنه، وإذا كان الثوب نجساً فعند أصحابنا أنه يصلي به قائماً إذا لم يجد ثوباً طاهراً» (1). وتابع المحقق سعيد الخليلي ابن بركة في رأيه خلافاً لجمهور الإباضية وقال: «ويصلي العريان قائماً؛ لأن القيام فرض وهو قادر عليه، فإن كانوا جماعة صلوا قعوداً ويكون الإمام في وسطهم على ما قيل».

ولكن ابن بركه لم يسلّم بهذا الرأي ولم يرجحه رغم أنه يحتمل الجواز عند النظر والاجتهاد، ولكنه مال إلى رأي الجمهور ورجحه لما يستند إليه من أدلة راجحة فلم يسقط فرض القيام في الصلاة عن العراة إلا دفعاً للمفسدة وهي رؤية المصلين عورات بعضهم البعض، وهذا بلا شك محرم

المتحققة،

شرعاً وعرفاً فيمنع سداً لذريعة الفساد.

ومما جاء في نصه: (وإذا لم يقدر العريان على ثوب يستر به عورته صلي قاعداً ويومئ إيماء؛ لأن فرض الستر آكد من الأفعال، والدليل على ذلك أن

(1) ابن بركة الجامع، 541/ 1 - 542.

(2) الخليلي سعيد تمهيد قواعد الإيمان، 231/ 5.