الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
15
يقول الراشدي في «الجواهر»: «فمعنى قولنا الضرر مزال»: محکوم بزواله؛ لأنه مفسدة، وقد جاء الشرع الشريف بدرء المفاسد، ولذا قال بعض العلماء بحصر الفقه في درء المفاسد، وجعل منه جلب للمصالح؛ لأنه مشروط بأن لا تكون مفسدة، فإن كانت قُدَّم درؤها على جلب المصلحة).
ونص القاعدة ينفي الضرر مطلقاً، فيوجب منعه سواء أكان الضرر عاماً أم خاصاً، وقفه قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة؛ لأن الوقاية خير من ويوجب العلاج، أو رفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تکراره، ومن ثُمَّ كان إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة، وإن ترتب على معاقبتهم ضرر بهم؛ لأن فيها عدلاً وإنصافاً، ودفعاً لضرر أعم وأعظم).
وشرع الجهاد لمقاومة الأعداء، ووجبت العقوبة لقمع الإجرام، وشرعت الشفعة لدفع ضرر الجار أو الشريك المتوقع.
والمقصود بمنع الضرر: نفي فكرة الثأر المحض لمجرد الانتقام؛ لأن هذا يزيد في الضرر ويوسع دائرته، ولأن الإضرار ولو على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً وطريقاً عامة، وإنما يلجأ إليه اضطراراً عندما لا يكون غيره من طرق التلافي والقمع أفضل منه وأنفع، فمن أتلف مال غيره مثلاً: لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله؛ لأن في ذلك توسعة للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المُتلف قيمة ما أتلف فإنَّ فيه نفعاً بتعويض المضرور وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، فإنه سيان بالنسبة إليه: إتلاف ماله، وإعطاؤه للمضرور لترميم الضرر الأول، فأصبحت مقابلة الإتلاف بالإتلاف مجرد حماقة، وذلك بخلاف الجناية على النفس والبدن مما شرع فيه القصاص،
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص 137.
(2) البورنو الوجيز، ص 79. - السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص 498.