الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
وجه الاستدلال
23
ففي هذه الآية ينهى الله تبارك وتعالى كلاً من الزوجين اللذين حصل بينهما خصام وفرقة، أن يتخذ الطفل وسيلة للإضرار بالآخر، فتنهى الأم عن الامتناع عن إرضاع طفلها بقصد الإضرار بأبيه، ما دامت تُعطى أجرة مثلها في الإرضاع، وينهى الأب عن انتزاع الطفل من أمه بقصد أن يضرها بذلك، ما دامت تقبل أجرة مثلها من المرضعات، وما ذلك إلا لدفع الضرر عن الطفل. وأشار سيد قطب في «الظلال» إلى هذا المعنى بعبارة بليغة بأن جعل وسيلة الإضرار عند الزوجين هو الضغط على الجانب العاطفي فيقول: فهذه الآية الكريمة فيها حثّ على الحنان والرأفة بالوليد، ونفي المضارة بين الزوجين، فلا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سبباً لمضارة الآخر، فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على طفلها ليهددها به، أو تقبل رضاعه بلا مقابل، ولا تستغل هي عطف الأب على ابنه له لتثقل كاهله بمطالبها» (2).
4 - وقال تعالى في شأن الوصية بالدين مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٌ} (النساء: (12).
وقال فيما يتعلق بالبيع: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارٌ كَاتِبٌ وَلَا شهيدٌ﴾ (البقرة: 282).
فقد دلت هاتين الآيتين وغيرهما على تحريم الضرر ومنعه.
وإن من يستقرئ أحكام الشريعة في كل جزئياتها يدرك تماماً أن الشارع الحكيم قصد من ذلك تحريم كل أنواع الضرر، وأن الجزئيات تندرج تحت أصل كلي يمكن أن يرجع إليه كل ما كان من هذا القبيل.
(1) القرطبي: المصدر نفسه، 3/ 167. - الطبري، جامع البيان، 497/ 2، 498. (2) سيد قطب، في ظلال القرآن، ط 10، دار الشروق بيروت والقاهرة 1402 هـ / 1982 م، 254/ 1.