الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٠القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث:
ووجه الدلالة من الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى الضرر مطلقاً؛ لأنه نكرة في سياق النفي فيعم فلا يكون النفي واقعاً على الإمكان ولا على الوقوع الفعلي؛ لأن كُلاً من الضرر والضرار واقع وموجود بكثرة، فلا يصح أن يراد ذلك أو إذا انتفى أن يكون المراد نفي الإمكان أو الوقوع، فتعين أن يكون المراد به أنه يجوز الضرر والضرار في ديننا، وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم). ألا يكون هناك ضرر من إنسان لنفسه ولا لغيره؛ لأن الضرر هو
نفي
فينفي
(2)
إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً والضرار مقابلة الضر بالضرر (2).
والحديث نص في تحريم الضرر مطلقاً؛ لأن النفي بـ (لا) الاستغراقية يفيد تحريم سائر أنواع الضرر من الشرع؛ لأنه نوع من الظلم إلا ما خص بدليل كالحدود والعقوبات (3).
وخبر لا النافية هو كائن أو جائز، أي لا ضرر جائز ولا ضرار جائز في الإسلام، فالغرض من الحديث منع الضرر أيا كان، ولهذا فلا يجوز لأحد أن يلحق الضرر لا بنفسه ولا بغيره، ولا يجوز أن يقابل الضرر بضرار، فكأن النبيصلى الله عليه وسلم يقول: لا تضروا ولا تقابلوا الضرر بضرار، وهذه مرتبة عليا، إذ لم يقابل الإنسان إضرار الناس بالضرار، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِمِينَ﴾ (الشورى: 40).
وأفضل ما قيل في شرح هذا الحديث ما ذكره ابن رجب في عبارة موجزة وفت بالغرض المراد: إن الضرر معناه به من لا يضره، والضرار أن يضر بمن
أضر به على وجه غير جائز» (4).
(1) بخيت الحاشية على شرح الأسنوي، 357/ 4.
(2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 977/ 2 - الأتاسي، شرح المجلة، 24/ 1.
(3) السيوطي: الأشباه والنظائر،
، ص
92
(4) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص 267.