الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣١الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
31
فقوله على وجه غير جائز شرعاً احترز به مما لو كان الضرر مشروعاً، أي مأذوناً فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الضرر، والضرار بغير حق، فأما إدخال الضرر على من يستحقه، إما لكونه تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعاً، وأما غير ذلك من الأضرار فلا يجوز إلحاقها بأحد والنهي يشملها، جاء في إحكام الأحكام: وهو لا شك - أي حديث لا ضرر ولا ضرار - قاعدة من قواعد الدين يدل على تحريم الضرار على أي صفة كان» (1).
وعليه، فالضرر سواء كان ناتجاً عن فعل غير مشروع أو فعل مشروع يقصد به الإضرار، فلا يجوز إحداثه، ويقول ابن دقيق العيد في إحكام الإحكام أيضاً: «والمضارة معناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر عليه، فمتى
قصد الإضرار ولو بالمباح أو فعل ضرراً من غير استحقاق، فهو مضار» (2). ولكن ما حكم الأفعال المشروعة إذا أدّت إلى ضرر من غير قصد من فاعلها، فهل تكون مضارًا أم لا؟ قال بعض أهل العلم: «أما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا بقصد الإضرار فليس
بمضار» (3).
ولكن هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل، فقد يكون الضرر الذي يلحق
بالآخرين جسيماً مقابل منفعة زهيدة لصاحب الفعل المشروع.
مما تقدم يظهر أنه لا يجوز إلحاق الضرر بالآخرين، ولو كان الفعل مشروعاً في ذاته؛ لأن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» فيكون بالتالي نهياً عن الأسباب التي تؤدي إليه، سواء كان الضرر مقصوداً أم غير مقصود،
(1) النجدي عبد الرحمن بن حمد بن القاسم، إحكام الأحكام شرح أصول الأحكام، المطبعة
التعاونية بدمشق، 86/ 3 - 89.
(2) المصدر نفسه.
(3) نفسه.