الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢32
القواعد الفقهية عند الإباضية
اجتثاثاً لواقعة الضرر في أية صورة من صوره بمنع أسبابه المحرمة، وكذلك أسبابه المشروعة في الأصل، إذا أدت إلى إحداث ضرر جسيم بالآخرين، وهذا ما يدل عليه عموم الحديث، وإطلاقاً لمراد الشارع إلى أقصى ما يمكن أن يتضمنه اللفظ من الصور، إلا ما استثني منها بدليل، وهو الذي يقتضيه عموم الحديث وإطلاقه (1).
ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض فقهاء المالكية خص النهي عن الضرر في الحديث بالضرر الذي يلحق الجار فحسب (2).
غير أن هذا التخصيص لم يقل به أحد، والجمهور على خلافه، بل هو محض تحكم، ولا دليل يسنده، ولذلك فقد شدّد العلامة الشوكاني في الإنكار على هذا التخصيص، وجزم بأن معنى الحديث يدل على تحريم الضرار على أي صفة كان من غير فرق بين الجار وغيره فلا يجوز في صورة من الصور إلا بدليل يخص هذا العموم، ومن ادعى جواز المضارة في بعض الصور فعليه بالدليل، فإن جاد به قبلته، وإلا ضربتُ بهذا الحديث وجهه، فإنه قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات (3). وجاء في بدائع المنن أن في الحديث تحريماً لسائر أنواع الضرر إلا بدليل مخصص؛ لأن النكرة في سياق النفي تعمّ، وفيه إلحاق أصله لا لحوق ولا إلحاق أو ضرر ولا ضرار بأحد، فبين اللفظين فرق والمعنى: أن الضرر منتف في الشرع أصلاً، ولا يجوز إدخال الضرر على أحد، ولعل هذا المعنى
(1) بوساق محمد مدني التعويض عن الضرر، ص 133 - 134. (2) الباجي القاضي أبو الوليد الأندلسي، المنتقى شرح موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ط 1، سنة 1332 هـ مطبعة السعادة بمصر، 41/ 6.
(3) الشوكاني: نيل الأوطار، 387/ 5. (4) الساعاتي أحمد عبد الرحمن بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن، الطبعة الأولى سنة 1379 هـ دار الأنوار للطباعة والنشر 193/ 2.