الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٩الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
49
الكبير واليسير إلى العرف والعادة)، وهذا ما يحقق مرونة الفقه الإسلامي، وقدرته على مسايرة التطورات والأعراف.
ولكن لو سلمنا بهذا الشرط فقد يختلف الناس في تحديد الضرر اليسير؛ لأنه من الأمور التي يعسر تحديدها، فيلحق بسببه ضرر بالغير، ويختلف الناس في حكمه، ولذا فأرى أنه من الأحسن منع الضرر مطلقاً، وكل ضرر نتج عن اعتداء أو خطأ، ترتب عنه مسؤولية على الفاعل حتى نقلل من وقوعه. 3 - أن يكون الضرر بغير حق
يشترط في الضرر الذي تبنى عليه الأحكام أن يكون إخلاله بالمصلحة المشروعة بغير حق، كالتعدي والتعسف والإهمال، ومن التصرفات التي لا تعد ضرراً من الوجهة الشرعية، لكونها حاصلة بمقتضى إقامة الحدود والقصاص على أهلها، وكذلك التعازير والظفر بالحق، ودفع الصائل الذي يعتدي على غيره ولو أدى إلى قتله. ولكي نحكم على الضرر أنه بغير حق، ومضر بالمصلحة
المشروعة، لا بد أن نتحقق من وجود التعدي أو التعسف أو الإهمال. وقد حدد ابن رجب في تعريفه للضرر أنه يكون على وجه غير جائز، فقال: «إن الضرر معناه أن يضر به من لا يضره، والضرار أن يضر بمن أضر به على وجه غير جائز» (2). فقوله: على وجه غير جائز احترز به مما لو كان الضرر مشروعاً، أي مأذوناً فيه فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الضرر والضرار بغير حق، فأما إدخال الضرر على من يستحقه، إما لكونه تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعاً، أما غير ذلك من الأضرار، فلا يجوز إلحاقها بأحد والنهي يشملها (3).
(1) ابن نجيم البحر الرائق، 32/ 7.
(2) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، ص 267. (3) بوساق محمد التعويض عن الضرر، ص
133