الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦٢62
القواعد الفقهية عند الإباضية
ضرورة، كعدو إن ألجأ الناس إليها وإلى طلوعها، وعلى من يغلقها في أوقات الصلاة، أو يخرج منها آنيتها أو حصيرها أو مصابيحها، أو نحو ذلك لينتفع به لنفسه» (1).
وفي السياق نفسه أجاز الإباضية الوضوء في المسجد ما لم يحدث ضرر بأرضيته أو بعُماره، كأن تكون أماكن الوضوء قريبة من مكان الصلاة، فقد يتسرب الماء إلى الداخل فيفسد الفراش ويتعفن وتتغير رائحة المسجد فيتأذى به الناس، أو تكون المراحيض داخل المسجد، فلعل كثرة استعمالها يتسبب في انتشار الروائح الكريهة فيها فينزعج المصلون كما هو ملاحظ في بعض المساجد، فيتعذر على الناس البقاء فيها لفترة طويلة، وهناك من تنبه إلى هذا الضرر فأزاله ببناء بيوت الخلاء خارج المسجد، حتى لا تصل نجاستها أو روائحها الكريهة إلى المصلين.
ولا ريب أن هذا العمل فيه مصلحة ظاهرة (2) - وهي تجنيب المساجد ما يضرها ويؤذي عمارها، وتوفير الجو المناسب للعبادة ـ وهذا الأمر قد صدر من نظر عميق وفكر ثاقب؛ لأن المساجد بيوت الله، فيجب أن نبعد عنها كل ما يؤذيها أكثر مما نفعل ببيوتنا، وقد نقل السالمي في «المعارج» أقوال الفقهاء في مسالة الوضوء والتطهر في المسجد، ثم رجح جواز ذلك بشرط عدم الضرر بالمسجد أو عُماره، يقول في هذا الصدد قال ابن المنذر (النيسابوري) في إشرافه (3): أباح كل من يحفظ عنه من علماء الناس الوضوء في المسجد،
(1) الثميني: الورد البسام ص 119، 188، بتصرف. (2) هذا ما جرى به العمل قديماً وحديثاً في مساجد الإباضية بوادي ميزاب، وذلك حرصاً منهم على المحافظة على طهارة المساجد.
(3) يشير إلى كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري من علماء الشافعية وهو مطبوع ومحقق، وقد اهتم به أبو سعيد الكدمي الإباضي وأضاف إليه زيادات، وبلغنا مؤخراً أن الباحث أبو الأرواح
إبراهيم قد تصدى لتحقيقه بتكليف من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان.