القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٨٣

الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة

83

يرجح

ورغم أن ابن بركة أعجبه رأي الشافعي في أن كل غرر إذا تسبب في ضياع مال فإن للمتضرر حق الخيار كما تدل عليه عبارته: «وهذا قول يسوغ تأويله في النفس ويعجبني أن يكون كل غرر يذهب له مال هذا طريقه» (1)، إلا أننا نجده يميل إلى رأي جمهور الإباضية في إبطال ذلك البيع بسبب الغرر. وقد يتعجب البعض من تردد ابن بركة في حكم هذه المسألة ولماذا لم أحد الرأيين ويأخذ به؟ فأقول: يمكن الجمع بين الرأيين والعمل بهما حسب الأحوال: فإن كان المتعاقدان عازمان على الدخول في هذه المعاملة فنقول لهم إن البيع فاسد لما فيه من الإضرار بأحد المتعاقدين، ولكن لو تم هذا البيع فلا نقول البيع فاسد وإنما هو بيع موقوف، وللمتضرر حق الخيار في إتمام البيع أو فسخه، فإن وجد البدوي مثلاً أنه قد غبن في السعر وباع بأقل من سعر السوق فله الخيار في الإتمام أو النقض؛ لأن الضرر يزال وإن رضي بذلك تم البيع، وكذلك فيمن يتلقى الأجلاب ليرفع الأسعار، فيجوز للحاكم أن يمنعه ويجبره على البيع بالمثل حتى لا يتحكم في سعر السوق ارتفاعاً وانخفاضاً، فإما يبيع بالرخص فيتضرر البائعون، وإما يرفع السعر فيتضرر المستهلكون ولا بد من مراعاة أحوال الناس ومصالحهم بجلب المنافع ودفع المفاسد، وغلاء الأسعار ضرر يجب أن يزال. ويشير القطب إلى الحكمة من تحريم بيع الحاضر للباد بقوله: «وَقُصِدَ مِنْ عَنْ إِعَانَةِ حَاضِرٍ لِبَادِ، وَبَيْعِهِ لَهُ الرَّفْقُ بِأَهْلِ الْحَضَرِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَرُوا النَّاسَ يَنْتَفِعُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض). وَالْبَادِي يَبِيعُ بِمَا رُزِقَ مِنْ سِعْرٍ، وَلَا يَتَحَكَمُ مُعِينُهُ بِمَالِهِ عَلَى النَّاسِ لَا كَحَاضِرٍ، وَلَا بَأْسَ بِإِعَانَةِ بَادٍ عَلَى بَادٍ أَوْ حَاضِرٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى حَاضِرِ، وَقِيلَ: النَّهْي خَاصٌ بِالْجَاهِلِيَّةِ» (3).

(1) ابن بركة نفسه.

(2) تقدم تخريجه.

(3) أطفيش: شرح النيل، 317/ 14.