الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣٧الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
137
1 - التضحية بالنفس لجلب المنفعة لها أو للغير
ذهب أهل العلم إلى تحريم إلقاء النفس إلى الهلاك لأجل الطمع في جلب منفعة للنفس أو الغير، أو دفع ضرر أخف على النفس أو الغير؛ لأنه لا يجوز إزالة الضرر بمثله أو أشد منه، وفي هذا المعنى يقول أبو العباس أحمد: «لا يحل للرجل أن يلقي نفسه إلى التهلكة لاجترار المنافع إلى نفسه وإلى غيره، ولا يدفع المضار عن نفسه وعن غيره بما يتولد عنه تلف نفسه كلها، مثل أن يترك الطعام والشراب حتى يموت جوعاً أو عطشاً، سواء تركه كذلك من غير علة، أو طلب بتركه له منافع غيره من بني آدم
وغيرهم).
ويشير أبو العباس إلى قضية هامة يلجأ إليها بعض المعارضين السياسيين إذا أراد أن يُسمع صوته إلى الناس فيضرب عن الطعام حتى تتحدث عنه وسائل الإعلام، فيهب أصحاب حقوق الإنسان للدفاع عنه، وقد يصل به الأمر إلى الموت، وربما يفعل ذلك حمية، وقد يمتنع عن الطعام لأجل ظلم وقع على غيره، فيطالب الحاكم بإطلاق سراح المعتقلين، فيصبر مدة على تلك
أو
الحالة حتى يجبر الحاكم عن التراجع عن حكمه، ويخفف الحكم عنهم يطلق سراحهم، ولكن قد لا يخضع لهم فيبقوا على تلك الحالة حتى يموتوا ويهلكوا، وهذا يعتبر قتل للنفس بغير حق بل انتحار، والله ينهى عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ﴾ (البقرة: (195)، وقال أيضاً: ﴿وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29). ولذلك فعملاً بهذه القاعدة: «لا يجوز إزالة الضرر بضرر مثله أو أشد منه»، و «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة»، فعند تعارض المصالح مع المفاسد تُغلّب المفاسد على المصالح لدفع ضرر أعظم والله أعلم.
(1) أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة، ص 144.