الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤٣الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
143
وبعد النظر في الأقوال المتقدمة يمكن موافقة الفقيه باجو في بعض ما رجحه، إلا أن المضرات التي لا تلحق بالغير وتلحق بالنفس، والتي هي من حقوق الله يجوز الترخص فيها عند الاضطرار، مثل شرب الخمر والجماع في حالات الحيض والنفاس والاعتكاف والإحرام، وأكل النجاسات وكشف العورة، فهذه الأمور يترتب على فعلها التوبة والاستغفار مع الكفارة عند بعض الفقهاء، فلا يجوز التضحية بالنفس في سبيل الامتناع عن هذه المحرمات، بل حتى في بعض المحرمات التي يلحق ضررها بالغير كإلقاء السلاح للعدو وإتلاف المال، فالراجح فيها الجواز ما دام ضررها أقل من القتل، يمكن إصلاحه وإزالته بالمال والله أعلم.
4 ـ تهريب السلع الضرورية إلى خارج البلد وهو في حاجة إليها: سئل السالمي عن صاحب السلعة يُمنع أن يحملها إلى بلد آخر إذا كان
أنه أهل بلده محتاجين لها، ما وجه المنع مع متصرف بماله؟ فأجاب: حاجة أهل بلده أولى من حاجة غيرهم، وعليه لهم حقوق ليست للغير، وأيضاً فحاجة هذا البلد متعينة حاضرة، وحاجة غيره مجهولة غائبة، ودفع الضرر المعلوم الحاضر ألزم من دفع الضرر المجهول الغائب؛ لأن الضرر المجهول الغائب يمكن ارتفاعه بوجه لا نعلمه فنحن جاهلون ببقائه إلى الآن، وهذا الحاضر نشاهد بقاءه، فهذه علل تمنع نقل السلعة من بلد إلى بلد، إذا احتاج إليها أهل البلد الأول كان صاحب السلعة من أهل البلد أو لم يكن، ولا يعارض هذا كونه متصرفاً في ماله، فإنه لم يمنع من التصرف في ماله، وإنما منع من إدخال الضرر على غيره، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: 24 - 25) (1).
ويؤكد الثميني في باب حمل الطعام ونحوه وبيعه هذا المعنى بما نصه:
(1) السالمي: العقد الثمين، 17/ 4.