الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٤154
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
ففي هذه المسألة تعارضت مفسدتان
الأولى هي الزواج من الأمة، إذ فيه إرقاق الولد، ولذلك قال الله وعل آخر الآية: {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرُ لَكُمْ (النساء: (25)، أي الصبر على الغربة خير من نكاح الأمة؛ لأنه يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة، وقد روي عن عمر بن الخطاب صل الله أنه قال: «أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه» (1) يعني: يصير ولده رقيقاً (2). المفسدة الثانية: هي وقوع العنت وهو الضرر بالدين والدنيا، وهو متمثل في الزنا، فمن وقع فيه لحقه ضرر في دينه بالإثم، وفي دنياه بالخزي والعار، وإقامة الحد عليه، مع ما فيه من الاعتداء على حرمات الآخرين، وهذه المفسدة أعظم من الأولى، ولأجل هذا احتملت المفسدة الأولى المتمثلة في إرقاق الولد لتجنب المفسدة الثانية، والحمد لله على
معافاته (3).
ه ـ كما يمكن الاستدلال لها بقصة موسى مع الخضر ـ عليهما السلام - حيث خرق الخضر السفينة وقتل الغلام فإن خرقه السفينة مفسدة ظاهرة، وذهاب السفينة كلها غصباً من الملك الظالم الذي أمامهم مفسدة أكبر من الأولى، فارتكب الأخف منها لدرء الأعظم.
وكذلك قتله الغلام فإنه في الظاهر مفسدة، ولكنها تعارضت مع مفسدة إرهاقه لأبويه بالكفر، وإفساده عليهما دينهما إن هو بقي، وهي مفسدة أعظم؛ لأن الفتنة أشد من القتل فارتكب المفسدة الأخف وهي
(1) رواه الدارمي، كتاب الفرائض، باب في الحر يتزوج بأمة، رقم: 3081، وسعيد بن منصور، كتاب الوصايا، باب نكاح الأمة على الحرة … ، رقم: 713، عن عمر بن الخطاب. (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 147/ 5. (3) الطبري: جامع البيان 25/ 5 - القرطبي، المصدر نفسه، 136/ 5.