القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٥٦

القواعد الفقهية عند الإباضية

وفي رواية أخرى عن ثابت بن أنس أن أعرابياً بال في المسجد فقام إليه بعض القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه ولا تزرموه (1)، قال: فلما فرغ، دعا

بدلو من الماء فصبه عليه (2).

وجه الاستدلال بالحديث:

ذكر أهل العلم أن هذا الحديث يرشد إلى الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء، إذا لم يأت بالمخالفة استخفافاً أو عناداً، وفيه: «دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما ولقوله صلى الله عليه وسلم: «دعوه» لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله لتضرر، وأصل التنجيس قد حصل فكان

ومع

ذلك

احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به. والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه، وبدنه و مواضع كثيرة من المسجد (3). ويتضح من هذه الحادثة أن الأعرابي قد أتى فعلاً منكراً جلياً، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يزجروه وأمرهم بأن يتركوه حتى يتم بوله، ثم أرشدهم إلى تطهير المكان بصب الماء عليه، ففعل هذا الأعرابي وبوله في المسجد مفسدة ظاهرة، ومع ذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى احتمالها؛ لأن زجرهم له سيترتب عليه مفسدة أكبر من هذه، فإنهم بزجرهم إياه قد يقوم ليهرب منهم فتنتشر النجاسة في مكان أكبر من المسجد، وستصيب ثيابه فتتنجس أيضاً، ثم

(1) لا تزرموه: وهو بضم التاء وإسكان الزاء وبعدها الراء، أي لا تقطعوا، والإزرام القطع، شرح النووي على صحيح مسلم، 190/ 3. (2) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم: 5686، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النَّجاسات إذا حصلت في المسجد، رقم: 284، عن

أنس.

(3) النووي: شرح مسلم 1903. وينظر: قواعد العلائي، ص 38 نقل عنه الندوي في القواعد

الفقهية، ص 317.