القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٦٦

166

القواعد الفقهية عند الإباضية

ذلك

ميتة الأنعام إلا حرمة واحدة وهي كونها ميتة، فإذا أمكن دفع الضرورة بأخف الأمرين حرمة فلا يتعدى إلى أشدهما في ذلك، ولو قال قائل: إن الله قد سوى في حكم المضطرين الميتة ولحم الخنزير فهما سواء في حقه، أو قال: إن المضطر إذا اضطر إلى الخنزير فذكّاه كانت ذكاته صحيحة لأنه في الحال مباح له وحلال في حقه، لما كان بعيداً على القول). ويستنتج من عبارة السالمي أنه لا يستبعد القول الثاني، إلا أنه لعله يميل إلى العمل بالقول الأول من باب اختيار أهون الشرين وأخف الضررين»، وإن

قدم أحد لحم الخنزير على الميتة فلا إثم عليه ما دام مضطراً إليه. وفي حكم المضطر إذا كان مُحْرِماً ووجد ميتة وصيداً أيهما يقدّم لإنقاذ

نفسه

من الهلاك؟

لو تعرض المحرم بالحج أو العمرة إلى جوع شديد ولم يجد إلا ميتة أو صيداً، فأكثر العلماء قالوا يختار الميتة ولا يأكل الصيد؛ لأن الميتة رخص فيها النص ولا ضمان فيها، أما الصيد ورد فيه النهي وفيه الجزاء أو الفدية أيضاً، ففي هذه الحالة يختار أخف الضررين مراعاة لأعظمهما، فلا يمكن أن يترك نفسه دون أكل؛ لأنه قد يعرض نفسه للهلاك ولا يأكل الصيد؛ لأن فيه جزاء، فيختار الميتة وهي أهون عليه، ويؤكد ابن بركة هذا المعنى فيقول: «وإذا اضطر المحرم إلى أكل صيد واتفقا له أكل الميتة؛ لأنها محللة في حالة الاضطرار، فإذا عدم الميتة جاز له أكل الصيد وعليه الجزاء … (2).

ورغم ما علل به ابن بركة من تعليلات لترجيح مذهبه في تقديم الميتة على الصيد للمحرم فإنني أرى من الوجهة الصحية وإعمالا لقاعدة: «دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة فإن الميتة فيها ضرر معلوم ولا يلجأ إليها المضطر إلا إذا عضه الجوع وكاد أن يهلك، ولا يملك غيرها ويرجو منها

(1) السالمي: العقد الثمين، 256/ 1 - 257.

(2) ابن بركة: الجامع، 21/ 2.