القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٦٧

الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة

167

النجاة، ولو اختار الصيد لكان أنفع وأصلح له؛ لأن ضرره يقع على المال دون النفس، ولا يجب عليه إلا تعويض مثله في حالة نجاته من الهلاك، وهو أمر مقدور عليه، ولكن ما الفائدة المرجوة من شخص أشرف على الموت فأنقذ نفسه بلحم متعفن فيه ضرر كبير بالصحة، وهنا اجتمعت ضرورتان ضرورة حفظ النفس وضرورة حفظ المال، فعند الموازنة بين المفاسد يقدم حفظ النفس على حفظ المال، وعليه فإنني أرجح أن يرتكب أخف الضررين وهو أكل الصيد؛ لضمان حياته وعافيته مع ضمان الفدية، وليدفع ضرراً أعظم

وهو خطر الإصابة بأمراض مهلكة، قد تنتقل إليه من الميتة والله أعلم. وفي سؤال ورد في العقد الثمين عن قول السالمي في «المشارق» حيث أوجب على المضطر المحرم إذا وجد الميتة وصيد البر أن يأكل صيد البردون الميتة مثلاً كيف ذلك؟ ولم يرد استثناء في صيد البر للمحرم لا لمضطر ولا غيره قال الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما﴾ (المائدة: (96)، ولم يستثن سبحانه مضطراً من غيره أم ثم دليل أباح ذلك له؟

أجاب السالمي: «خاطب الله تعالى في كتابه العزيز أهل العقول وقال: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} (الحشر: 2)، وردّ الاستنباط إلى أهل العلم في قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83)، ومن المعلوم من مقتضى العقول أنه إذا جاز دفع الضرر بالميتة التي لا تحل أبداً في غير الضرورة كان دفع ذلك بما هو حلال دائماً إلا في حال من الأحوال أولى وأخف، فالميتة نجس حرام بالإجماع إلا حال الاضطرار، وهذا حلال طاهر بالإجماع إلا حال الإحرام، ثم إنه الله أوجب الجزاء في قتل الصيد كما أوجب الفدية في حلق الرأس لمن كان به أذى من رأسه، فأباح له أن يحلق ويفتدي والقياس يقتضي مثل ذلك في المضطر إلى الصيد، وعلى كل حال المسألة فقصد الصيد في من طريق الحكم بالأولى وهو فحوى الخطاب).

(1) السالمي العقد الثمين، 257/ 1 - 258.