الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٩الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
169
العلماء يأكل من المال ويضمن، ولا يأكل من الميتة، فإن كان الإجماع من الناس على أن للإنسان أن يحيي نفسه بمال غيره من الطعام الذي هو مال بغير
رأي صاحبه، كان إحياؤه نفسه بمال غيره جائز، وعليه أن يضمن» (1). أما القطب فقد رجح تقديم مال الغير على الميتة مع قصد إرجاع المال لصاحبه، ونسب هذا القول إلى الأكثر من فقهاء الإباضية فيقول: «ويقدم مال الناس على الميتة في الاضطرار عند الأكثر بنية الخلاص، وإن مات ولم يخلص ولم يوص ولم يشهد إذ لم يقدر على ذلك، وكان دائناً بالحق خلص الله عنه» (2).
ويستنتج من عبارة القطب أنه رخص للمضطر أن يأكل من مال الغير ويترك الميتة، ولكن قيد ذلك بشرط أن ينوي رد المال لصاحبه وتعويض ما أخذ منه، ولا يخشى الموت بعد ذلك إن لم يتمكن من الوفاء بدينه، فالله
يخلص
عنه ما دام ينوي تخليص ذمته، سواء أشهد عليه؟ أم أوصى به؟ يفعل ذلك؟ فالله شاهد عليه وكافيه.
ولذلك فلا حجة لمن يتهرب من تنجية نفسه من الهلاك بمال الغير ما دام الله قد تكفل له بذلك، ولعل هذا - كما أشرنا - أفضل وأنفع له لحماية نفسه من أضرار الميتة، والله يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التهلكة﴾ (البقرة: 195). فيختار أخف الضررين لدفع ضرر أعظم وهو الموت جوعاً، وإن نجا منه فلا يأمن الأضرار الناجمة من الميتة، وقد يتسامح معه صاحب المال فيتنازل له عن حقه فيحقق مصلحتين النجاة من الموت المحقق وبراءة ذمته من الدين. هل وضع العلماء حداً معيناً يقف عنده المضطر بالجوع أو العطش، إذا
اضطر إلى أخذ مال الغير؟
(1) ابن بركة: الجامع، 197/ 1.
(2) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 164/ 1.