الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧٠170
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفقهاء على خلاف في هذه المسألة: فمنهم من اشترط ألا يأخذ إلا بقدر ما يسد به رمقه، وينقذ نفسه من الهلاك ويضمن عملاً بالقاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها» ومنهم من لم يضع قيداً ولا شرطاً، له أن يأخذ ما يشاء وسمح ويضمن مثله، وفي هذا يقول الخليلي سعيد: «فإذا سأل عن المضطر وما يجوز له أخذه من مال الغير لإحياء نفسه في غير ما يكون من سبب اليسر، ووسعوا له في الأخذ بغير قيد ولا شرط لدفع ضرورته وإحياء نفسه من جوع أو عطش أو نحوه، وعليه قيمة مثله مع القدرة عليها في أكثر القول، ولا يمنعه الجواز عدم وجود د القيمة معه، بل يكون دَيْناً عليه إلى ميسرته). جاء في «العقد الثمين» سؤال في هذه المسألة ونصه: «أرأيت إذا وجد هذا المضطر الميتة ومالاً للغير هل يلزمه أن نفسه من الميتة أم يجوز له أن
يأكل من مال غيره؟».
يحيي
فأجاب السالمي: «ذهب زياد بن الوضاح إلى أنه لا يجوز له أن يأكل من مال غيره مع وجود الميتة؛ لأن الله قد أباح الميتة عند الاضطرار، وحرم عليه مال الغير إلا عن رضى ولم يبح أكله عند الضرورة، كما أباح ذلك في الميتة والدم ولحم الخنزير فبقيت حرمة مال الغير على إطلاقها، وقد أبيحت الميتة للمضطر فلا يتجاوز ما أبيح له إلى ما حرم عليه، فإن أكل من مال الغير مع ذلك كان آثماً ضامناً، وقيل بل يجوز له أن يأكل من مال الغير؛ لأن إباحة الميتة ونحوها إنما هي عند عدم وجود الحلال الذي جعله الله نفعاً لعباده وصاحب المال أولى بماله ما لم يضطر غيره إليه، وقد جعل الله الله في أموال المؤمنين حقاً للسائل والمحروم؛ فالمضطر إلى مال الغير إنما أخذ حقه منه، وأيضاً فالميتة إنما هي حرام لعينه، ومال الغير حرام لغيره، والمحرّم لغيره أخف حرمة من المحرم لعينه»، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من أجاز له ذلك وألزمه الضمان لصاحبه؛ لأن صاحب المال أولى بماله والضرورة إنما رفعت الإثم دون الضمان، ومنهم من
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 234/ 9.