الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧١الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
171
لم يوجب عليه ذلك ورأى أن المضطر قد أخذ حقه من ذلك المال، ولا ضمان على من أخذ حق، وأيضاً فإن صاحب المال لو رأى هذا المضطر وجب عليه أن يطعمه من ماله فعلمنا أن للمضطر في ذلك المال حقاً … )).
وخلاصة القول:
لأن
من
مما تقدم يمكن أن نستنتج من عبارة ابن بركة وغيره أن أكثر أهل العلم يجيزون أكل مال الغير للمضطر ولو وجد الميتة وأشباهها، بشرط القدرة على أكلها، ويكون مال الغير المسلم، ويُلزم بضمان رده لصاحبه بعد زوال حالة الجوع المهلك، ولعل اشتراط السالمي أن يكون مال الغير للمسلم؛ واجب المسلمين أن يكفلوا فقراءهم ولا يتركونهم يموتون جوعاً، فهذا حق ضمنه الله لهم في مال الأغنياء، بل أجاز العلماء لمن تعرض للعطش الشديد وخاف على نفسه الهلاك أن يقاتل صاحب الماء إن منعه من الشرب، قال الثميني في هذا المعنى: «وجاز لمن عطش أن يأخذ الماء ممن كان عنده وإن بمقاتلة إن قاتله عليه، ولكن لا يقصد قتله، وإن كان قاتلا تواسياً فيه، وإن خاف منه قتلاً فلا ينازعه عليه وليتوكل على الله»؛ (2) لأن في قتل الغير بسبب الماء ضرر أعظم، فلا يجوز لأحد أن يفدي نفسه بغيره، بل يسلم أمره إلى الله؛ لأنه لا يجوز إزالة الضرر بضرر مثله.
الرأي الراجح يظهر أن الفقهاء لم يتفقوا على رأي واحد في مسألة الموازنة بين الميتة ومال الغير، وكل فريق استند إلى أدلة يستأنس بها في اختياره، ولذلك وجدنا السالمي لم يستطع الترجيح بين الآراء المختلفة، وكأنه ترك الاختيار للمضطر إن شاء أنقذ نفسه بالميتة ولا شيء عليه، وإن شاء أخذ مال الغير وضمنه
(1) السالمي: العقد الثمين، 257/ 1. (2) الثميني: العقد الثمين، 266/ 1.