القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٧٥

الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة

175

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». قيل له: على صاحب هذا المال إذا علم بظلم الجبار وأنه يريد قتله، وقدر على تخليصه به كان عليه أن يخلصه من القتل بهذا المال» (2).

وذكر سعيد الخليلي أن فقهاء الإباضية لم يكونوا محل اتفاق في هذه المسألة، فمنهم من أجاز للمكره فداء نفسه بمال غيره، وعليه غرمه لصاحبه، ومنهم من خيّره بين فداء نفسه من مال غيره مع ضمانه، وبين ترك الفداء والصبر على قهر الظالم ومنهم من رخص له أخذ مال غيره لتخليص نفسه من الجبار بشرط أن يأذن له بذلك ليحصل على موافقته؛ وذلك إعمالاً للقاعدة: «يختار أخف الضررين و إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما». ونقل الخليلي في «التمهيد» خلاف الفقهاء في المسألة مع تعليلاتهم فقال: واختلفوا فيه إذا كان لدفع الظلم عن نفسه، فقيل بجواز الأخذ له من مال الغير لفداء نفسه وإن غلبه، وله أن يدفع الهلاك عن نفسه بأي وجه قدر عليه، وقد قدر الآن على دفعه بهذا المال، فعليه غرمه مه لربه مع القدرة.

وليس عليه في هذا الموضع على قول من أجازه نظر في سعة صاحب المال ولا في حاجته؛ لأنه موضع ضرورته واللضرورة أحكام غير حكم الاختيار ولا يكلف في هذا إلا الالتزام بالضمان إن قدر على أدائه يوماً، وإلا فنظرة إلى ميسرته.

وقيل: هو مخير إن شاء فدى نفسه بما قدر عليه من مال غيره والتزم ضمانه، وإن شاء صبر لما يكون فيه من أمر الجبار، فإنه ليس منه والله أولى بعذره.

(1) رواه الدارقطني كتاب البيوع، باب … ، رقم: 2523، والبيهقي، كتاب الغصب، باب من غصب لوحاً فأدخله في سفينة … ، رقم: 10787، عن حذيفة عم أبي حرة الرقاشي. (2) ابن بركة: الجامع، 196/ 1.