الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧٦176
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقيل: ليس له أن يفدي نفسه بمال غيره على حال إلا برضى ربه، وقد صرّح الصبحي) بالجواز في مسألة الأمانة والشيخ أبو نبهان (2) ـ رحمهما الله ـ بالاختلاف في أصل المسألة، وكذا في الآثار القديمة … » (3). ويلاحظ مما تقدم أن بعض الإباضية لم يسمحوا للمكره أن يضحي بنفسه في سبيل حفظ المال، بل أوجبوا عليه أن يفديها بماله، فإن لم يجد فيمال غيره ولو بغير رضاه مع الالتزام بالضمان؛ لأن التضحية بالنفس أشد ضرر من الفداء بالمال، فـ يختار أهون الشرين لدفع ما هو أعظم»، ومن القواعد المقررة في مقاصد الشريعة أن حفظ النفس مقدم على حفظ المال عند التعارض، ولا شك أن أصحاب هذا القول اعتبروا هذا المقصد فرخصوا في التضحية بالمال لفداء النفس، وذهب بعضهم إلى ترك الخيار له إن شاء فضل الفداء وإن شاء صبر وتحمل ضرر الجبار، أما ضمان مال الغير فقالوا حسب استطاعته، فلم يكلفوه فوق طاقته، ولم يلزموه تعجيله إذا كان في عسرة مراعاة لحاله.
وفي السياق نفسه قد يكره أحد على الأكل من أموال الناس، أو استعمالها، أو العمل بها، أو التصرف فيها بالبيع أو التأميم أو إتلافها، فهل يخضع المكره
إلى تهديدات الجبار وينفذ أوامره؟ أم يرفض ذلك ويعرّض نفسه للهلاك؟ أجاز العلماء ذلك للمكرَه مع الالتزام بالضمان أما إن أجبره على التصرف في مال غيره بما يعود عليه بالنفع والصلاح، فلا ضمان عليه إذا كان ذلك المال عند غاصب، وألزمه بالعمل فيه لإصلاحه وتنميته، كمن يغتصب أرضاً ويأتي بعمال لإصلاحها وزراعتها، ففي هذه الحالة لا يضمن شيئاً بل الغاصب هو الضامن للأرض وما أفسد فيها.
(1) تقدمت ترجمته.
(2) هو
جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي (ت: 1237 هـ) تقدمت ترجمته.
(3) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 234/ 9 - 235.