القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٨٦

186

القواعد الفقهية عند الإباضية

وردت على الشيخ بكلي مسألة تشبه هذه الصورة فأفتى بصحة ذلك الزواج خلافاً للإباضية، وأثبت نسب الأولاد بأبيهم؛ لأنه يثبت عند الفقهاء النسب بالنكاح الفاسد للشبهة، ويتضح أن هذه الفتوى تستند إلى قاعدة: «يزال الضرر الأشد بالضرر الأخف أو إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما»، فالحكم باستمرار العلاقة الزوجية بعد السفاح ضرر أخف من الحكم

ببطلانها، وهدم كل ما يقوم عليها مثل إبطال نسب الأولاد هو ضرر أشد. ومما جاءه في السؤال: «اتصلت امرأة برجل ودام هذا الاتصال مدة، وأتت منه بولدين ثم أتم عقد الزواج وزادت منه ولدين آخرين، تريد المرأة أن تتوب إلى ربها وتكفر عن ذنبها، فما رأي الدين في المسألة؟».

أجاب البكري: «فبالنسبة لحق الله يجب عليها التوبة والاستغفار مما اقترفته في حقه حتى يتوب عليها، وبالنسبة لحق العباد قد ترتب فوق ذلك على جريمتها أن جنت على الولدين الأولين اللذين أصبحا في نظر الإسلام أولاد زنى ينسبان إليها ترثهما ويرثانها، فقد أفقدتهما نعمة النسب وأصبحا كالغثاء يعيشان على شاطئ الحياة كاسفي البال يتواريان من سوء ما لحق بهما من عار الزنا، وعليه فلا بد لها من التكفير بالإحسان إليهما كفاء ما ألحقت بهما من ضرر، أما الولدان الأخيران وإن ترتب وجودهما على نكاح فاسد على ما ذهب إليه علماء الإباضية وهو الحق فإن نسبهما ثابت؛ لأن النسب يثبت ولو من نكاح فاسد إذا لم يكن هناك زنا محض.

أما إتمامهما عقد النكاح بعد سفاح فإن هذا النكاح أيضاً يعتبر فاسداً في نظر المذهب الإباضي يستوجب التفريق بينهما، لكن تفادياً من هدم بناء أسرة علينا أن نحمله على ما ذهب إليه بعض المذاهب الإسلامية من

يتحتم الجواز … » (1)

(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 304/ 1 - 305.