الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٩الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
199
ويظهر من عبارة الخليلي أنه استند في حكمه على قاعدة: «يختار أخف الضررين لدفع ما هو أعظم». وفي صورة أخرى للإجهاض: أن امرأة كلما حملت أجهضت، وكان هَم زوجها الوحيد أن يعقب ولداً، فخافت إن تمادى بها الحال أن يطلقها، فلما نفذ صبرها وحملت كعادتها، ومن المقدّر أن دام حملها هذه المرة إلى أن قرب ميلاده، فأدخلت المستشفى فأسقطته كسابقيه، ثم أنها تواطأت مع إحدى الممرضات فأعطتها مولوداً ذكراً كغيرها فاتخذته ابناً، وأخذت ترضعه وأخبرت زوجها أنها ولدت مولوداً ذكراً، وشاء الله أن يحيا وينشأ نشأة ممتازة، وكان لا يعلم سرها إلا أخوها وكتما الأمر، ومن حسن الصدف أن حملت بعد ذلك فتم حملها، فوضعت بنتاً عاشت هذه المرة على غير عادتها، وعاش الولدان حتى كبرا، ولما تقدمت الأم بالسن أرادت أن تتوب من فعلتها، ولكنها خافت من ردة فعل زوجها إن علم بالحقيقة فتخسر حياتها مع ابنتها في حين تريد أن تلقى ربها وهي بريئة الذمة، فما المخرج؟ فكان جواب الشيخ عبد الرحمن بكلي «لما كان الابن ابناً من الرضاع كان أمره أهون من التبنّي، ليس في كتمانه خوف على اختلاط النسب؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام - يقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ولولا مسألة الميراث ما كان ثمة فرق بين الابن من النسب والابن من الرضاع، وعليه ففي نظري أن هذه المرأة تسلك أحد السبيلين: - إما أن تبوح بالحقيقة لزوجها وإن ترتب على ذلك ما ترتب، فيدها أوكت وفوها نفخ)، وهذا أقرب طريق وأوضحه، بل هو المتعين وإن خيف
منه عاقبة سيئة.
(1) رواه الربيع، كتاب النكاح، باب في الرضاع، رقم: 524، والنسائي، كتاب النكاح، باب ما يحرم من الرضاع، رقم: 3302، عن عائشة.
(2) هذه العبارة مقتبسة من المثل العربي المشهور: «يداك أوكتا وفوك نفخ».