الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٥الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
205
المحتكر قهراً ويبيعه للناس، وإن أضرَّهم بذلك؛ لأنه صار بمنعه مؤد إلى إضرار الغير، ولا ريب أن في إجباره على إخراج السلع وعرضها للبيع بالسعر المناسب قد يترتب عليه ضرر بالمحتكر، ولكن فيه منفعة عامة تمثلت في توفير السلع للناس، فيحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر (العام)). ويوضح الكدمي حكم الاحتكار وما يترتب عنه فيقول: «ولأنه لا يجوز له أن يحتكر ما له حين يأخذ منه بأكثر من عدل السعر، ولأنه قد جاء في الأثر عن النبي بالنهي عن المحتكر، وكذلك بتحريم الاحتكار؛ لأنه من أكل صلى الله عليه وسلم أموال الناس بالباطل، واستغلال لحاجة المضطر، وإجباره على استيفاء حاجته بما يخالف الوضع العادي، وكذلك قد جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة» (2) والعياذ بالله وقد جاء كذلك أن الحكرة المحرمة داخلة في جميع الضرر، والقاعدة أنه: «لا ضرر ولا ضرار»، وأنه لا يجوز الإلجاء إلى الضرورة، وكل ضرورة لا تجوز فيها الحكرة
في
الأثر
ولا تثبت فيها معاني الزيادة فوق عدل السعر عند خوف الهلاك … » (3). ولا يقتصر الاحتكار على جانب البيوع فقط، بل يشمل كل شيء يشرك فيه الناس، كالماء والكلأ، والوقود فلا يجوز احتكارها لمصلحة خاصة؛ لأن ذلك يؤدي إلى الضرر العام.
كما وردت صور أخرى في فتاوى المعاملات توضح هذا المعنى، من ذلك ما جاء في سؤال: «ما قولكم في عين ماء تنزل من جبل وتسيل في الوادي، وليست قرب سكن؛ لأنها في الفلاة، لكنها في بعض الأحيان عند
(1) أطفيش: شرح النيل، 322/ 14. - الزرقا مصطفى المدخل الفقهي العام، 996/ 2. ـ قحطان الدوري، الاحتكار وآثاره في الفقه الإسلامي، ص 10، 18، 100، ط 2، 1403 هـ. ينظر:
عبد السلام الرفعي فقه المقاصد وأثره في الفكر النوازلي، ص 192 وما بعدها.
(2) تقدم تخريجه.
(3) الكدمي: المعتبر، 104/ 3.