الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٥الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
225
ولم يعلل صاحب هذا الرأي اختياره وسبب ترجيح ذلك، ولعله اعتمد على ما لاحظه من أحكام الشارع أنه يعتني بالمنهيات أكثر من اعتنائه بالمأمورات، ولكن عند التأمل والنظر يظهر مدى وجاهة رأي الجمهور في ترك الاختيار للمكلف، إن شاء توقف وإن شاء رجح بين المصالح والمفاسد، والله أعلم.
رابعاً: معيار إدراك المصلحة والمفسدة في الإسلام
إن الشريعة المطهرة هي الميزان في تقدير المصالح والمفاسد، ثم الاعتبار باجتهاد الفقهاء المحققين في هذا الباب، وبناء عليه فإن المعيار الصحيح لإدراك المصالح ودرء المفاسد في الإسلام هو القرآن الكريم، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان من أفضل نعم الله تعالى على عباده العقل الراجح والبصيرة النافذة، لهذا فهو يدرك المصالح ويدرك حسن الشريعة وقبح ما خالفها، وبه يعرف الأمور على ما هي عليه، ويميز به الحق من الباطل، فإن قدر المكلف على اتباع النصوص لا يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر). يقول ابن تيمية تحت عنوان «القاعدة العامة»: «إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه النظائر، وقلّ أن تجوّز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام» (2).
(1) الندوي القواعد الفقهية ص 313 - السدلان القواعد الفقهية، ص 517. (2) ابن تيمية مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ج 29/ 28.