القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٢٧

الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة

227

فبقدر ما يرسخ الفكر المقاصدي في ذهن الفقيه تتسع آفاقه في دراية المصلحة أو المفسدة)، وإلى هذا المعنى يشير النص الآتي من «قواعد الأحكام»، ومما جاء فيه ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك، ومثل ذلك أن من عاشر إنساناً الفضلاء الحكماء العقلاء فهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة، ولو تتبعنا ما في الكتاب والسُّنَّة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن

كل شر دقه وجله (2). ويشير وهبة الزحيلي إلى جانب هام في تقدير النفع والضرر في الأشياء فيقول: «وأما إن ارتبط تقديم النفع والضرر بإرادة بشرية فإن الأنظمة تكون غالباً. عرضة للعبث والتلاعب والإخلال بالمصلحة العامة؛ لأن ما يتخيله الناس نفعاً أو ضرراً يتأثر عادة بالأهواء والأغراض الخاصة، أو يكون محصوراً في دائرة ضيقة، أو منظوراً إليه من زاوية معينة، أو قاصراً غير شامل، مما يجعل التشريع مطعوناً فيه بالنقص، أو عرضة للتغير والتبدلات التي لا صلة لها بتغير وجه المصلحة، وعندئذ تسوء الحال، ويعم الفساد، وتضطرب الأوضاع، ويكثر التبرم والسخط، لا سيما على الأخص عند التأثر بالأهواء الخاصة، فقد يرى الإنسان ما هو ضار نافعاً، فيستحل السرقة أو شرب الخمر مثلاً، وقد قد يرى ما هو نافع ضاراً، فيجد في الزكاة مثلا نقصاً لماله تطهير للمال، وقضاء على الفقر، كما يرى الرجل الخروج إلى الجهاد ضاراً به

مع أنها

من

(1) الندوي: القواعد الفقهية، ص 314.

(2) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام، 160/ 2.