الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٣الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
233
نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني
وجه الاستدلال بالحديث: ففي هذا الحديث يَهُمَّ كُلٌّ من هؤلاء الثلاثة من الصحابة - ه - بعمل صالح، ويظهر أن لهم فيه مصلحة ككثرة العبادة، وزيادة الأجر، والقرب من الله تعالى بذلك، إلا أن النبي الله عَدَّ ما هموا به من الأعمال خروجاً من هديه وسنته، وأمرهم باتباعه، وهو صلى الله عليه وسلم أخشى الله منهم، وأتقاهم له، ومع ذلك لم يفعل ما هموا به ولننظر ما هموا به من الأعمال، هل فيه مفسدة؟ أم أنه
مصلحة خالصة؟
فالأول: قيام الليل فهو لا شك من الأعمال الصالحة التي تزيد المؤمن من الله قرباً وتزيده خشوعاً، إذ يقوم يناجي ربه والناس نيام لا سيما إذا وافق الثلث الأخير من الليل الذي هو من أوقات إجابة الدعاء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل ما شاء الله وقد قام من أوله ووسطه وآخره).
وأما ما هم به هذا الصحابي، وهو قيام الليل كله دائماً فهو مخالف لهذي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبادة، ولذلك نهاه عنه، فإن في قيام الليل كله دائماً مفاسد
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح (104/ 9) مع الفتح، ومسلم في كتاب النکاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤونة
(1020/ 2)
(2) كما جاء في حديث عائشة قالت: «من كُلّ الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل ووسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر». متفق عليه واللفظ لمسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (512/ 1) وأخرجه البخاري في كتاب الوتر باب ساعات الوتر (486/ 2)
مع
الفتح.