الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٠240
القواعد الفقهية عند الإباضية
وما ذهب إليه ابن بركة من إجماع الفقهاء في وجوب شراء الماء للوضوء مع وجود البدل، أو شرائه لإنقاذ نفسه ولو بجميع ماله فيه نظر، فالصلاة دون وضوء مفسدة، ولكن شراء الماء بأغلى الأثمان مفسدة أعظم منها، فهنا ترجح المفسدة الأخف وهي الصلاة بالتيمم لدفع مفسدة أعظم وهي إنفاق كل المال لشراء الماء، إلا إن خاف هلاك نفسه بالعطش، فهنا يجب عليه بذل ماله لإنقاذ نفسه من الموت فإن حفظ النفس أولى من حفظ المال.
أن يرد
ويبدو أن ابن بركة لا يوافق رأي الجمهور في شراء الماء ولو بأعلى الأسعار لأجل الطهارة، ففي هذه الحالة يرخص له في التيمم حفاظاً على ماله، وهذا ما يستفاد من عبارته «فإذا امتنع بالغلاء لم يكن عليه». وكذلك إذا بذل ماله لشراء الماء لإنقاذ نفسه من الهلاك ألزم البائع للمشتري الزيادة التي دفعها فوق قيمة الماء المعروفة؛ وذلك حفاظاً على ماله من الضياع؛ لأنه مفسدة ومنعاً للبائع من استغلال حاجة الناس برفع الأسعار فيقول: «وكان على صاحب الماء أن يرد عليه فضل قيمة الماء في موضعه (2).
الرأي المختار:
وعند التأمل في النصوص المتقدمة نجد أن أصحاب الرأي الأول أقرب للصواب؛ لأن الاشتغال بإنقاذ النفس والمال ضرورة تقتضي التيسير ورفع الحرج، وفي إلزام مَن غُصب ماله واعتدي عليه أن يصبر ولا يقطع صلاته حرج ومشقة، وكذلك من فقد الماء ويُلزم ببذل جهده في البحث عنه، ولو اضطر إلى بذل ماله لشرائه ولو مع ارتفاع سعره، ولا ريب أن في هذا الأمر مشقة كبيرة يترتب عنها مفاسد جليّة، فهنا يتعيّن درء المفسدة قبل جلب المصلحة ولو أدى إلى تأخرها أو فواتها، وفي تنجية الأنفس من الهلاك والأموال من التلف والضياع حفاظاً لها ورعاية لمصالح الناس، ولذلك يترجح
(1) ابن بركة المصدر نفسه. (2) ابن بركة الجامع، 194/ 1.