الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٢242
القواعد الفقهية عند الإباضية
- باب القضاء والإثبات
شرع الإسلام الحدود لردع المعتدين وزجر من تُسوّل له نفسه الاعتداء على غيره في النفس أو المال، ولكن قد يتمادى المجرمون في إجرامهم إذا تعطلت الأحكام، واكتفى الحاكم بطلب البينة من المدعي واليمين على المنكر، فيعم الفساد وينعدم الأمن والسلام، ولذلك ذهب أهل العلم إلى وجوب تطبيق الحدود على المجرمين لقطع شأفة الفساد، ونشر الأمن في المجتمع؛ لأن «درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، فلا يجوز مراعاة ظروف الظالمين على حساب المصلحة العامة.
ورد على السالمي سؤال في هذا المعنى مفاده أن لصوصاً - قبحهم الله تعالى - إذا سرقوا يزعمون لأرباب الأموال أنا نعطيكم الشرع، وهم قد عرفوا المسألة أن على المدعى البيئة وعلى المنكر اليمين كما قال و حتى صارت عندهم كالتواتر، فهل يصح لأحد أن ينتظر المصلحة، ويقول إنّ على من ثبت ماله عند فلان يمين كأنه عليه أن يسلمه، والجزاء خصوصاً إذا كان المسروق ثقة عند المسلمين، أو ذلك، يصبح وعندي أن هذه أقطع للمفاسد في بلادنا المريضة … ). فكان جوابه: «المفسدة في ترك الشرع أعظم منها في فعل اللصوص،،، أتدرأُ المفاسد بترك الأحكام؟
لا
كلا والله ما هذا إلا جور آخر فوق الأول، ألا أدلك بما تقطع به المفاسد من أصلها، استعمال الشريعة من أهلها كقطع الأيدي والأرجل، وقطع الرؤوس، وإزهاق النفوس، وليس الشرع مقصوراً على بينة، ويمين، بل هذا بعض الشرع، وبقيت أبواب الشريعة أخرى بها تدرأ المفاسد وتجلب المصالح في والدنيا، لكن عجز أهل زماننا عن فتحها فاقتصروا على اليمين، فظن العوام ومن لا خلاق له من الجهال أن ذلك هو الشرع لا غيره، فقبحوا محاسن الشريعة … » (2)
(1) السالمي: العقد الثمين، 323/ 4.
(2) السالمي: المرجع نفسه.
الدين