الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٥الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
245
ذلك فلا يجب عليه، وإن ظهر له أنه إذا أنكر على الحاكم أو الجماعة فلا يأمن على نفسه من ضررهم ومكرهم، فلا يجوز له أن يعرض نفسه أو ماله إلى الهلاك عملاً بالقاعدة: «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة». وذهب البعض إلى جواز ذلك ولو لحقه منهم الضرر؛ لأن من قتل دون نفسه أو عرضه أو ماله فهو شهيد، فلا يشترط السلامة في أداء هذا الواجب. تعرض ابن بركة إلى هذه المسألة وعالجها وبين أحكامها وموقف العلماء منها فقال: «إذا رجا الإنسان قبول أهل المنكر وأمكنه القول كان واجباً عليه أن ينهى عنه، وإن يئس لم يكن عليه أن ينهى إذا كان قد نهى مرة واحدة؛ لأن النهي مع الإياس بعد ذلك يكون نفلاً ومع الرجاء وغلبة الظن يكون فرضاً، وما كان آمناً على نفسه وهو يرجو مع ذلك، وظن يغلب عليه بأن يقبل منه الحق، فعليه أن يقول ويدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا» (فصلت (33). ومع الإياس من القبول فالفرض عليه من القول مرة واحدة فيما يكون الإنكار بالقول، فإن قال قائل: «أليس الله تبارك وتعالى قد ذم قوماً تركوا الإنكار على أهل السبت، ومدح قوماً أنكروا عليهم؟ فقال: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 164). قيل له: أولئك تركوا النهي مع الرجاء، والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى فيما أخبر عنهم أنهم قالوا قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأعراف: 164)، فإن قال: أليس قد أنجى الناهي وعذب القاعدين؟ قيل له: بل عذب الذين امتنعوا من القبول بقوله تعالى: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (الأعراف: 165) (1).
(1) ابن بركة: الجامع، 1/ 180 – 181.