الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٦246
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويبين ابن بركة أنه لا يجوز للمسلم أن ينكر على الجماعة إذا كان وحيداً لا يستطيع حماية نفسه من إيذائهم إلا إن غلب على ظنه قبول نصحه؛ لأن دفع مفسدة إيذائهم أولى من جلب مصلحة قبولهم لنصحه، يقول في هذا الصدد: «فإن قال: فلم لا يجوز أن ينكر الواحد على الجماعة؟
قيل له: ليس عليه أن ينكر على الجماعة إلا عند الطمع الغالب عليه، والأمن على نفسه، وأنهم يقبلون منه، إلا أن يكون قادراً عليهم، فإن قال: لم لا يجوز ذلك؟
قيل له: إن الله ل لم يوجب على الواحد أن يقاتل أكثر من الاثنين، فإن قال: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المقتول دون ماله شهيد» (1). وقال: أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر»). قيل له: قد قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى في ذلك أن الإنسان إذا قاتل على ماله من يرجو أن يظفر به، ويمتنع من تعديه فقتله المتعدي فهو شهيد؛ لأنه جاءه مائة رجل بالسلاح فله أن يقاتلهم مع علمه أنه لا يبلغ منهم مراده من المنع، وأما قتاله لهم يؤدي إلى قتله دون سلامته، فهذا قاتل لنفسه وألقى بيده إلى التهلكة» (3).
ولم يمنع ابن بركة المنكر من كلمة الحق أمام الحاكم المتجبر، ما دام يرجو من ذلك إعذار نفسه في الدنيا والآخرة، ويطمع في هدايته، ويختار الأسلوب الحكيم في نصحه، وهذا ما يستفاد من عبارته: «وإنما الذي يتكلم بالحق عند سلطان جائر، فقتل عليه، فهو أن يتكلم بكلمة حق وهو يرجو بها النجاة في الدنيا والآخرة من تصويب دين المسلمين، أو ينهى السلطان عن
(1) رواه ابن أبي عاصم، كتاب الآحاد والمثاني، عبد الله بن عامر، رقم: 529، وأحمد، مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عمرو رقم 6853، عن ابن عمرو.
(2) تقدم تخريجه.
(3)
ابن بركة: الجامع، 182/ 1 - 183.