الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٨248
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويستفاد من عبارته أنه من الأحسن أن يصبروا على ذلك الحال ولا يعمدوا إلى تغيير المنكر بالقوة، قد ينتج عنه ضرر أكبر ومفاسد عظيمة، تأكل الأخضر
أحداً
واليابس، خاصة إذا كان حاكم المسلمين ضعيفاً لا يستند إلى قوة تدعمه. ويلاحظ من منهج العلماء أنهم يوازنون بين المصالح والمفاسد إذا اجتمعت، فإذا تعارضت رجح إحداهما إذا غلبت، وغالباً ما يقدم درء المفاسد على جلب المصالح، وقد طبق المحقق الخليلي هذا المنهج في دعوته ونصحه، ودليل ذلك ما جاء في كتاب التمهيد عن سائل يرجو النصح والنجاة في دينه ودنياه وآخرته، فيقول: «ما تقول شيخنا الخليلي فيمن ابتلى في بلدته وصارت جميع أمانيها (1) في يده من وكالة فلج ووقوفات، ومن أمر ونهي وفي زمان جهله لم يشكك على نفسه في جميع ما يقضيها، فلما رد الله عليه عقله وعرف أمور الدنيا وبلائها، فأراد الخروج من الشبهة فلم ير يصلح لهذا الحال ليضع الأمانة على يديه، هل يجوز له أن تطيب نفسه ويضع الأماين على حضرة أهل البلد كافة؛ لعدم وصوله إلى أحكامه، لسلامة دينه من أمر الدنيا، وقلة علمه فيما يجوز وفيما لا يجوز بمصالح البلد؟ ربما هذا الأمر مخطر وأنا عبد مذنب تقتلني ذنوبي، والديرة (2) تحتاج إلى معاناة من إصلاح بين اثنين ومن كتابة مشاهد ورد المظالم عن المظلوم، ومن أمر بالمعروف، ونهي عن منكر، ومن ضَرّهم وضر دوابهم، وكسبهم أموال الناس على غير حق، ومن جميع الأشياء كلها الذي أحيط به علماً، والذي لا أحيط به علماً. فإن كان يحمل علي ما يقع من أهل البلد، وأنت لا يخفى عليك أمر أهل هذا الزمان، منهم طائع، ومنهم غير طائع، فالذي يأمرهم بالصلاح على قدر المعرفة، فاشتبه علي الأمران، ولم أعلم أيّهن أقرب إلى الحق، النزول لهذا الأمر المخطر خوف الفساد والضياع وقلة المصلحة والقيام على ما سبق في
(1) لعله يقصد الأمانات.
(2) لعله يقصد الإدارة والمسؤولية.