الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٤284
القواعد الفقهية عند الإباضية
(2)
ومن ثم يقولون: إن العادة طبيعة ثابتة ويقول الفقهاء: إن في نزع الناس عن عاداتهم حرجاً عظيماً). ولذلك يقاسي الأنبياء والمصلحون كثيراً من المصاعب والأهوال، فيأخذون الناس بالعنف تارة، وبالتدريج تارة أخرى، لتحويلهم عن مفاسد عاداتهم وأعرافهم هذا المعنى تقول عائشة أم المؤمنين لها واصفة سياسة التشريع الإسلامي: «إنما نزل أوّل ما نزل من القرآن سورة فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا، لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبداً» (3).
وفي
ويتضح مما سبق أن العادات والأعراف منها الحسن ومنها القبيح، إذ ليس كل ما يعتاده الناس ويتعارفونه ناشئاً عن حاجة صادقة ومصلحة حكيمة يكون الأمر المعتاد وسيلة ميسرة لها.
فقد يعتاد الناس عادات تقوم على جهالات وضلالات موروثة يشقى بها المجتمع وليس فيها منتفع، كاسترقاق المدين المعسر عند الرومان وفي جاهلية العرب، وكوأد البنات والغزو الداخلي في الجاهلية وكدفن الزوجة
(1) ابن عابدين رسالة نشر العرف في مجموعة رسائله، ص 119 - 120. (2) الزرقا المدخل، 869/ 2. (3) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن - حديث: 4712 عن عائشة، بلفظ عن يوسف بن ماهك، قال: «إني عند عائشة أم المؤمنين، إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك؟ قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل؟ «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده»، قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السور». ورواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب صلاة
العيدين، باب إذا سمعت السجدة وأنت تصلي وفي كم يقرأ القرآن، حديث: 5753.