الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٩الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
299
ومما سبق يظهر أن نطاق تأثير العرف عند الفقهاء يتحدد في أنه حجة في تفسير النصوص التشريعية، وقد يراعى كذلك في تشريع وتوليد وتعديل الأحكام، وبيان وتحديد أنواع الإلزامات والالتزامات في العقود والتصرفات والأفعال العادية حيث لا دليل سواه.
وعلى هذا فقد يترك النص الخاص ويؤخذ بالعرف عند الضرورة، وقد يخصص النص بالعرف أو تعامل الناس، وقد يقيّد إطلاقه له، وقد يترك القياس الاجتهادي أو الاستصلاح الذي لا يستند إلى نص، بل إن مجرد المصلحة الزمنية؛ لأن العرف دليل الضرورة أو الحاجة، فهو أقوى من القياس ونحوه (1).
ب ـ الرأي الثاني: وذهب بعض الفقهاء المتقدمين والمعاصرين إلى أن مجال الاستعمالات
الفقهية للعرف والعادة ينحصر بالاستقراء في أربعة: الأول: العرف الذي يكون دليلاً على مشروعية الحكم ظاهراً، فقد اعتبره الفقهاء واعتدوا به واستدلوا عليه بنصوص اشتملت على أحكام استند فيها إلى العرف كدليل على مشروعيتها، بل وصرح في بعضها بأنه دليل، يقول القرافي: «إن أدلة مشروعية التصرفات تسعة عشر وعدّ منها العوائد» (2). وقال فخر الدين الزيلعي (3) في دليل مشروعية المضاربة: «فإنه بعث
والناس يتعاملونها فتركهم وتعاملها الصحابة» (4).
(1) الزحيلي نظرية الضرورة، ص 160.
(2) القرافي: تنقيح الفصول، ص 198.
(3) الزيلعي: عبد الله بن يوسف بن محمد، أبو محمد، جمال الدين (762 هـ/ 1360 م): فقيه، عالم بالحديث. أصله من الزيلع (في الصومال ووفاته في القاهرة. من كتبه «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية ـ ط في مذهب الحنفية، وتخريج أحاديث الكشاف ـ خ».
الزركلي: الأعلام، 147/ 4.
(4) الزيلعي: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق دار المعرفة لبنان، 51/ 5 - 52.