الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٩الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
149
فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان. وإلى تلك الأهمية أشار الخليفة العادل عمر بن الخطاب له في الرسالة التي أرسلها إلى أبي موسى الأشعري الله وهي رسالة مطولة حيث قال له: اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله بالحق فيما ترى» (1).
أنا
فهذا النص تضمن أسس القضاء، وفيه إشارة إلى أن من النظائر ما يخالف نظيره في الحكم لمدرك خاص، وليس كل النظائر المتحدة الصورة والعلة تأخذ حكماً واحداً، لأن بعض النظائر تخالف النظائر الأخرى، وينبه عمر موسى إلى هذا الأمر فيقول له: لا يغرنك ما تراه من اتحاد الصورة والشكل ويوصيه بأن يعرف الأشباه والنظائر حتى تتكوّن عنده ملكة وحصيلة فقهية يستطيع بها إعمال القياس متى عرفها، لأن القياس يترتب على معرفة الأشباه والنظائر، فالأشبهية في الحق سبب في كون الأمر أحب إلى الله، وليس عليه أن يصل إلى عين الحق واليقين (2).
وقوله: «فيما ترى أي فيما تظن، وفيها إشارة إلى أمرين: الأول: أن المجتهد لا يكلف أن يصل إلى نفس الحق، وإنما يكلف بما
يظنه صواباً.
الثاني: أن المجتهد لا يقلد غيره؛ لأنه عدول عن الراجح عنده إلى الأقل رجحاناً في نظره؛ ولأن ما وصل إليه هو الصواب في رأيه، ولأن تقليده لغيره خطأ عنده، فلو حكم برأي غيره وترك رأي نفسه كان حكمه بغير الصواب والحكم بغير الصواب حكم بالخطأ فيكون خطأ (3).
(1) السيوطي: المصدر السابق، ص. - ابن القيم المصدر السابق، 1/ 85 - 86. (2) عزام عبد العزيز القواعد الفقهية، ص 77.
(3) عزام عبد العزيز النظام القضائي في الإسلام، 148/ 1.